الإثنين, فبراير 2, 2026
الرئيسيةمقالاتزاوية خاصة... ...

زاوية خاصة… من الأيقونة إلى الكوزة

بقلم/ نايلة علي محمد الخليفة

يُحكى أن ثلاث نساء تزوّجن ثلاثة أخوة ، اثنتان شقيقتان والثالثة غريبة ، اتفقن على مضايقة أم أزواجهن ، فصرن يختلقن الأكاذيب ويحرّضن ضدها ، حتى ضاقت الصدور وانتهى الأمر بفرز العيشة.
وعند لحظة المواجهة نهضت إحدى الشقيقتين لتعترف بأن الغريبة هي صاحبة فكرة الإساءة ، وأنها من أشعلت نار الفتنة ، ظنّ الناس أن الرد سيأتي من الغريبة ، لكن المفاجأة أن الهجوم جاء من شقيقة الشقيقة التي كشفت الحقيقة ، انقلبت على أختها ، وجعلت سيرتها على كل لسان ، يومها أدرك الناس أن المشكلة لم تكن في الأم المظلومة ، بل في تحالف خفيّ بين من يدّعين البراءة وهنّ أصل البلاء.
هذه الحكاية تكاد تُطابق ما جرى مع آلاء صلاح ، التي سمّاها قادة قحت يومًا “أيقونة الثورة” ، يوم وقفت في ساحة الاعتصام بثوبها الأبيض ، تسابقوا لتمجيدها ، وصارت صورتها بطاقة عبورهم إلى قلوب الناس ، رفعوها فوق الرؤوس ، وتغنّوا باسمها ، حتى خُيّل للناس أنها صوت الثورة الأوحد.
لكن الأيقونة بشر تخطئ وتصيب ، وليست صنمًا ، وعندما دارت رحى الحرب ، ورأت آلاء ما رآه ملايين السودانيين من فظائع مليشيا الدعم السريع ، تصفيات على أساس عنصري ، ونهب للبيوت ، واغتصاب للنساء ، وتشريد للأسر ، خرجت بموقف أخلاقي واضح وإن جاء متأخرًا ، مفاده هذه حرب ضد المواطن ، وهذه المليشيا يجب أن تُصنَّف منظمة إرهابية ، هنا فقط انقلب المشهد ، الذين صنعوا منها رمزًا وايقونة للثورة ، هم أنفسهم من تولّوا ذبحها معنويًا ، لم يسبق الجنجويد إلى مهاجمتها ، بل سبقوا هم لشيطنتها ، فجأة أصبحت في نظرهم كوزة وقوّاصة ، وعميلة للأمن ، وتحوّل المديح إلى شتائم ، والتصفيق إلى تخوين.

أليست هذه هي نفسها التي كنتم بالأمس تتباهون بها؟ أم أن الأيقونة عندكم لا يحق لها أن ترى الحقيقة ، وإن رأتها فعليها أن تصمت؟ ، موقف آلاء صلاح لم يولد من فراغ ، بل من واقع دامٍ لا يحتاج إلى أدلة وبراهين ولا حتى لجان تحقيق ، مدن أُحرقت ، أحياء سُلبت ، مواطنون أُذلّوا ، ومستشفيات ومدارس تحولت إلى ثكنات ، هذه الجرائم هي التي بنت عليها موقفها ، لكنها حين سمّت الأشياء بأسمائها ، تحولت في نظرهم من رمز إلى عدو ، تمامًا كما في حكاية النساء الثلاث ، حين ظهرت الحقيقة ، لم يُحاسَب الفاعل الحقيقي ، بل جرى التنكيل بمن امتلك شجاعة الاعتراف.

كان المنطق يقول إن أول الغاضبين من حديث آلاء هم قادة المليشيا ، فهي من طالبت رسميًا بتصنيفهم إرهابيين ، لكن المفارقة المدهشة أن من تصدّر الهجوم عليها هم شركاؤهم السياسيون ، وكأن لسان حالهم يقول ، من يفضح جرائم المليشيا فهو خصمنا ، حتى وإن كان بالأمس أيقونتنا المدللة.

ما جرى مع آلاء صلاح درس بليغ ، أن بعض القوى لا تؤمن بالحقيقة إلا إذا وافقت هواها ، ولا تحترم الرموز إلا ما دامت تسبّح بحمدها ، أما إذا نطقت بالواقع ، فإنها تُرجم بالحجارة التي كان أصحابها يزيّنونها بها بالأمس.
ليست القضية آلاء وحدها ، بل قضية وطن يُراد للحقيقة فيه أن تُدفن تحت ركام السياسة ، لكن الحقيقة مهما طال حصارها وليُّ عنقها لا تموت ، ولو كره المتاجرون باسم الثورة… لنا عودة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات