في ظل الانتشار الواسع للمخابز السودانية في الأحياء المصرية، والتي باتت مقصداً يومياً لآلاف الأسر، برزت على السطح ظواهر مقلقة تتجاوز مجرد تقديم خدمة غذائية. حيث كشف رصد ميداني عن وقوع بعض هذه المخابز في فخ الجشع التجاري عبر تلاعب صريح بالأوزان، فضلاً عن كوارث صحية تتعلق بالمواد المستخدمة في التصنيع، مستغلين في ذلك ضعف الرقابة الدورية، مما جعل الهدف الأساسي هو حصد “مال رخيص” على حساب صحة وقوت البسطاء.
مواد محظورة وكيمياء قاتلة
كشفت مصادر مطلعة عن تجاوزات صحية خطيرة داخل صالات الإنتاج في هذه المخابز؛ فالأمر لا يتوقف عند سوء جودة الدقيق المستخدم، بل يمتد إلى استخدام مواد كيميائية مجهولة المصدر لزيادة بياض الخبز أو تسريع عملية التخمير بهدف ملاحقة الطلب المتزايد وتحقيق ربح أسرع.
هذه المحسنات المجهولة، التي غالباً ما تُباع في عبوات لا تحمل بيانات إنتاج أو صلاحية، تُستخدم لإخفاء العيوب الناتجة عن استخدام دقيق رديء الجودة وغير مطابق للمواصفات. يضاف إلى ذلك بيئة التصنيع التي تفتقر في كثير من الأحيان إلى أدنى معايير الاشتراطات الصحية؛ حيث يتم تخزين المواد الخام في أماكن غير مهيأة، مما يعرضها للرطوبة والتعفن، بالإضافة إلى عدم التزام العمال بالضوابط الصحية التي تضمن سلامة المنتج من التلوث البكتيري.
التلاعب بالأوزان.. جشع يسرق لقمة العيش
لم يكتفِ القائمون على بعض هذه المخابز بالمخاطرة بصحة المستهلك عبر الإضافات الكيميائية، بل امتد العبث إلى “وزن الرغيف” ذاته. فقد أصبح نقص الوزن ظاهرة علنية يلحظها المستهلك بوضوح؛ حيث يُباع الرغيف بأسعار مرتفعة بينما وزنه الفعلي يقل كثيراً عن المعايير المتعارف عليها.
هذا التلاعب الممنهج يمثل نوعاً من الغش التجاري الذي يدر أرباحاً طائلة غير مشروعة لأصحاب تلك المخابز. فالرغيف الذي يتقلص حجمه يوماً بعد يوم مع ثبات سعره المرتفع، يعكس حالة من الاستغلال لحاجة المستهلكين لمنتج يمثل ثقافة غذائية معينة، وهو استغلال يصفه البعض بأنه “متاجرة بأوجاع الناس” من أجل كسب مادي سريع وسهل.
غياب الرقابة: صرخة لمواجهة الفساد
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة في الشارع: أين الجهات الرقابية من هذه الممارسات؟
إن حالة التراخي في تفتيش هذه المخابز جعلت من بعضها بيئة خصبة للفساد. فالكثير من هذه المنشآت تعمل بعيداً عن أعين مفتشي الصحة والتموين، مما شجع أصحاب النفوس الضعيفة على الاستمرار في استخدام مياه غير منقاة ومواد تخمير رخيصة الضرر منها أكثر من نفعها، دون خوف من محاسبة أو ملاحقة قانونية.
إن تحويل قوت الناس إلى وسيلة لجمع “المال الرخيص” عبر الغش التجاري والفساد الصحي هو جريمة مكتملة الأركان. إن حماية المستهلك تتطلب تحركاً فورياً وحازماً من الأجهزة الرقابية لضبط هذه المخابز، وإخضاع منتجاتها للفحص المخبري الدقيق، والتأكد من مطابقتها للمواصفات القياسية، حفاظاً على سلامة المواطنين والمقيمين على حد سواء.
