لم تكن عودة الحكومة لمباشرة أعمالها من الخرطوم مجرد خبر بروتوكولي للنشر الإعلامي فحسب ، بل لحظة محمّلة بالرمزية والدلالات الثقيلة في وجدان دولة أنهكتها الحرب ، وتعب شعبها من الانتظار ، وصول رئيس الوزراء كامل إدريس إلى مقر الحكومة في العاصمة هو إعلان صريح بأن الدولة قررت أن تعود إلى قلبها ، وأن مباشرة العمل من العاصمة الإدارية لم يعد قدَرًا مؤبدًا ، بل مرحلة اضطرارية فرضتها ظروف الحرب وشارفت على نهايتها ، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها العودة التدريجية وتحمل المسؤولية من قلب المشهد لا من أطرافه.
تأتي هذه العودة متكئة على ذاكرة قريبة لا تزال حاضرة في الوجدان الوطني ، الذكرى الأولى لتحرير مدينة ود مدني ، تلك المدينة التي لم تكن مجرد جغرافيا مستعادة ، بل كانت بوابة نفسية وسياسية كسرت وهم تمدد المليشيا ، وأعادت للناس الإحساس بأن الزحف ممكن ، وأن استعادة المدن ليست أُمنية بل خيارًا واقعيًا حين تتوفر الإرادة ، من ود مدني بدأ التحول ، ومنها تبلور المعنى الحقيقي للزحف المقدس نحو الخرطوم ، التي دُنّست طويلاً بسلاح المليشيا وعبثها ، فالخرطوم لم تكن فقط ساحة معركة ، بل رمز الدولة المختطفة ، وتطهيرها حين تم ، لم يكن حدثًا عسكريًا صرفًا ، بل فعلًا أخلاقيًا أعاد الاعتبار لفكرة الدولة نفسها ، لذلك فإن عودة الحكومة إلى الخرطوم اليوم لا تنفصل عن ذلك المسار ، فهي نتيجة طبيعية لتضحيات رجال سالت دماؤهم في الطرقات ، وبيوت خُرّبت ونهبت من قبل المليشيا ، وأرواح دفعت ثمن استعادة السيادة وهيبة الدولة.
وقبل أن تصبح هذه العودة ممكنة ، لا بد من الإشارة بإنصاف إلى الجهد الكبير الذي بذلته اللجنة العليا لإعمار الخرطوم برئاسة الفريق إبراهيم جابر ، وبالتنسيق مع والي ولاية الخرطوم ، حيث عملت اللجنة في ظروف معقدة وشح في الموارد ، على تطبيع الحياة تدريجيًا داخل الولاية ، من تأهيل ما أمكن من خدمات ، وإعادة فتح طرق ، ومعالجة آثار الحرب بالحد الأدنى الممكن ، حتى تتهيأ العاصمة لعودة المؤسسات الرسمية ، وهو جهد ملموس لا يمكن القفز عليه أو التقليل من شأنه.
لعل السخرية التي طالت رئيس الوزراء كامل إدريس من بعض الأصوات ، بزعم أن صلاحياته يقوم بها الفريق إبراهيم جابر ، تعكس قراءة سطحية للمشهد ، وتتجاهل حقيقة أن ما أنجزته اللجنة العليا للإعمار كان تمهيدًا ضروريًا للعودة ، لا بديلًا عن الدور التنفيذي والسياسي للحكومة ، فاللجنة فعلت ما بمقدورها لجعل العودة ممكنة ، لكن استكمال الملف واستعادة الخرطوم كامل عافيتها مسؤولية تقع الآن على عاتق رئيس الوزراء وحكومته.
غير أن الرمزية وحدها لا تكفي ، فالمواطن الذي صمد في الخرطوم أو عاد إليها ، لا ينتظر صور الوصول ولا بيانات الترحيب ، بل ينتظر حكومة تعمل من قلب العاصمة بعقلية ما بعد الحرب ، خدمات ضرورية لا بد من توفيرها ، مؤسسات تُبنى من الصفر وأخرى يُعاد ترميمها ، وعدالة تُنصف المظلومين ، وقرارات تُلامس الواقع لا المنصات ، فالعودة إلى الخرطوم يجب أن تكون عودة إلى الناس ، لا عودة إلى المكاتب فقط.
الربط بين ذكرى تحرير ود مدني وعودة الحكومة إلى الخرطوم ليس استدعاءً عاطفيًا ، بل تذكيرٌ بأن الطريق الذي بدأ هناك لا يجب أن يتوقف هنا ، فكما كانت ود مدني نقطة الانطلاق لكسر شوكة المليشيا ، ينبغي أن تكون الخرطوم نقطة الانطلاق لبناء دولة جديدة ، تُدار بعقلية الإنجاز لا الصراع ، وتحميها الإرادة الوطنية لا البنادق المنفلتة ، اليوم تعود الحكومة ، وغدًا يجب أن تعود الدولة كاملة ، وهذا هو الامتحان الحقيقي … لنا عودة.
