﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلْأَبْصَارُ﴾
جاء احتفال بعيد وحظينا فيه بالحرية …
وأسرنا بداخله الوطن وقلنا عام سعيد واستقلال مجيد…
أي مجد؟ فالدمُ لم يجف، والفرحةُ مبتورة، والرؤيةُ ضبابيّة، والوطنُ ما زال عالقًا في مرحلةٍ اسمها الاستغلال. نعم، استغلال…
نرفع راية الاستقلال، لكن بأيِّ استقلالٍ نُحيّي الذكرى؟
والسودان، منذ أن أُعلن استقلاله في الأول من يناير 1956، لم يتحرّر كاملًا من الوصاية، ولا من الصراع، ولا من استغلال الإنسان والأرض والدم.
كان الاستقلال لحظةً عظيمة، لكن ما تلاها كان اختبارًا قاسيًا فشلنا في اجتيازه:
انقلابات، صراعات سياسية، حروب داخلية، وتفكيك بطيء لمعنى الدولة، حتى وصلنا إلى أخطر منعطف في تاريخ الوطن.
✨الحرب… حين يأكل الوطن أبناءه ….
منذ أبريل 2023، دخل السودان حربًا مدمّرة، حربًا لم تُبقِ مدينةً بلا وجع، ولا بيتًا بلا خوف، ولا أمًّا بلا دمعة.
الدماء لم تجف، دم الأبرياء ما زال شاهدًا، ودموع الأمهات تنطق بالحقيقة، وأنين الشهداء لا يطلب خطابات، ولا مهرجانات، ولا احتفالات زائفة، بل يطالب بعدالةٍ لا تسقط بالتقادم.
الحرب لم تقتل البشر وحدهم، بل قتلت الأمان، وكسرّت الثقة، ومزّقت نسيج الوطن، وحوّلت المواطن إلى نازح، والطفل إلى رقم، والحلم إلى نجاةٍ مؤجَّلة.
✨وفي دارفور……صمودٌ في مخيمات الألم…
حُرقت القرى، وتهجّر الأبرياء إلى المخيمات، داخل السودان وخارجه. النازحون يحملون الوطن في وجدانهم والأمل في قلوبهم، لكنهم صارت لهم حياة مؤقّتة، ومطالب متأخرة، وحقوق تُداس.
المخيمات مثل زمزم وأبو شوك شهدت صمودًا كبيرًا، لكن المعاناة لم تتوقف، ودم الشهداء ما زال ينطق بالألم.
✨وفي الخرطوم…حين تُسلب الكرامة باسم السياسة ✨
الخرطوم، هذه المدينة التي كانت تحوي الأمان قبل الحرب، شهدت الصراع والقتال من أجل البقاء حين سقطت في براثن السياسة العرجاء، حيث استُخدمت للاستغلال باسم الوطن، وخُطف الأمن والكرامة، وتحاصر حقوق الناس في الحياة، التعليم، الصحة، والعمل.
الثمن الذي دفعه الوطن كبير، والكرامة كانت تُسترد بدماء الشهداء، ومع ذلك يظهر من يحاول استغلال المدينة والفتنة باسم السياسة، ليعيدنا أحيانًا إلى دوائر الألم والانقسام غير العادل، رغم كل ما تحقق من استقلال ومجد نالناه بصعوبة.
ومع ذلك، تبرز بوادر إعادة الإعمار وإحياء الحياة اليومية، محاولةً لرد الاعتبار للوطن، ولكن الطريق ما زال طويلًا، والجراح ما زالت حاضرة، ما يجعل العودة للوضع الطبيعي تتطلب صبرًا وعزيمةً قوية من الجميع.
✨الاقتصاد… حين يُحاصر الجوع الكرامة ….
ومع الحرب، انهار الاقتصاد. انهارت العملة، ارتفعت الأسعار، توقّفت الزراعة، ورفضت الأرض الاستسلام نادت إلى أبنائها: حيّوا على الفلاح…
التجارة، و هنا تحولت حياة الناس إلى صراعٍ يومي من أجل البقاء. صار المواطن يحسب يومه بلقمة، ويخاف الغد بلا راتب، بلا دواء، بلا كهرباء، وبلا أفق.
ميزانية الدولة صارت ميزانية حرب، والفقر تمدّد، والبطالة تفشّت، حتى أصبح الجوع سلاحًا آخر يُوجَّه إلى صدور البسطاء.
✨الزيف… حين يُختزل الوطن في هتاف….
يأتي العيد، ويأتي معه الاحتفال، والوطن متوشّحٌ بالألم، جرحُه ينزف، وحزنه لم يتوقّف. ومع ذلك، يهتف من يسكن ترابه. يهتف كثيرًا… لكن الهتاف كاذب. نعم، كاذب.
لأن الوطن ليس شعارًا نصرخ به، ولا ذكرى نحييها مرةً في العام، ثم نتركه فريسةً للحرب والجوع والاستغلال. الوطن أمانة، والأمانة لا تُخان. الوطن كرامة، والكرامة لا تُداس. الوطن عزّة وشرف، لا يُدنّس، ولا يُساوَم، ولا يُختصر في احتفالٍ أجوف.
✨الحقوق الأساسية… وطنٌ محفوظ…..
الاستقلال الحقيقي ليس مجرد تاريخ في التقويم، بل حماية حقوق الإنسان: حياة كريمة، تعليم، صحة، أمان، عمل، وعدالة تُقام لكل مواطن بلا تمييز.
لا حقوق لأحد تُسقط، ولا دم يُهدر، ولا طفل يُترك بلا أمل. فالاستقلال بلا حقوق حقيقيّة، ليس إلا سرابًا يحتفل به الناس بينما الوطن يتألم.
✨معركة الكرامة والشهداء…..
وفي خضمّ هذا الألم المفتوح، جاءت معركة الكرامة لا كحدثٍ عابر، بل كصرخة وعيٍ في وجه الانكسار، ومعنىً حقيقيٍّ للدفاع عن الوطن حين حاولوا اختزاله في صفقاتٍ وخوف.
كانت معركة الكرامة شهادةً حيّة على أن هذا الوطن، رغم الجراح، ما زال يُنجب من يحرس اسمه بدمه، ويقف حيث يجب أن يكون الرجال والنساء حين تُهدَّد الأرض والإنسان.
وفي هذه المعركة، لم يكن الشهداء أرقامًا في نشرات الأخبار، بل كانوا وجوهًا، وأحلامًا، وأمهاتٍ ينتظرن، وأطفالًا كبروا فجأة.
شهداء كتبوا بدمائهم أن الاستقلال لا يُستعاد بالخطب، بل يُصان بالتضحية، وأن الكرامة لا تُمنح، بل تُنتزع حين تُداس.
معركة الكرامة أعادت تعريف الوطن:
وطنٌ لا يُساوَم عليه،
ولا يُختزل في سلطة،
ولا يُترك فريسةً للاستغلال.
ومن دماء الشهداء، يتجدّد السؤال المؤلم:
كيف نحتفل بالاستقلال، ورايات الكرامة ما زالت تُروى بالدم؟
وكيف نزغرد، ودمع الأمهات لم يجف بعد؟
✨وهنا أَختم قولي:
عاش الوطنُ حرًّا مستقلًّا،
وعاش ترابه عزّةً، وأرضُه مصانةً محفوظة،
وعاش وطنًا خاليًا من الانقسام، موحَّدًا بالعدل لا بالشعارات.
✨أقول لك يا وطني:
يومَ رفرفةِ علمك، لم يكن المجدُ صدفة،
بل كان وراءه أبطالٌ، رجالٌ ونساء،
جاهدوا، وصبروا، ودفعوا الثمن غاليًا
كي تنال رايتك هذا العلوّ،
رغم كيد الأعداء،
ورغم الخذلان،
ورغم الطريق المليء بالجراح.
سيبقى الوطن أكبر من الحرب،
وأصدق من الهتاف،
وأبقى من الزيف.
وختامًا، نترحّم على شهدائنا الأبرار في كل ربوع الوطن، أولئك الذين ارتقوا ليبقى السودان، وليحيا اسمه عاليًا رغم الجراح.
نترحّم على شهداء معركة الكرامة، وعلى كل من قدّم روحه فداءً للأرض والعِرض، من أبناء الوطن من القوات المشتركة، وكل الفصائل المقاتلة والمدافعة عن السودان، الذين وحّدهم الهدف حين تفرّق الساسة، وجمعهم الوطن حين ضاقت الساحات، وتظل القوات المسلحة سندًا وحاميًا لأرض السودان الغالية.
ونتمنّى شفاءً عاجلًا لجرحانا، وعودةً حميدةً لمفقودينا، وفكّ كرب أسرانا، وأن يجبر الله بخاطر الأمهات الصابرات، والآباء الثكالى، والأطفال الذين كبروا قبل أوانهم.
ونقولها بوضوح لا لبس فيه:
إن مليشيات التمرّد الجبانة، التي انتهكت الأرض واعتدت على العِرض، لن تجد لها موطئ قدم في أرض العزّة، ما دام في هذا الوطن رجالٌ عاهدوا الله، وتمّت البيعة على حمايته، وكانت خير البيعات:
بيعة الوطن.
فالوطن أقوى من كل السياسات العرجاء،
أقوى من الحصار،
وأقوى من الدمار والخراب.
الوطن تراث الأجداد،
وعِشق الأبد،
وهتاف الأمجاد الذي لا ينكسر.
✨ توقيع لا يُنسى ✨
أنا الرسالة حين يضيع البريد،
وأنا الصوت حين يُخنق الكلام،
وأنا الوطن حين يُختزل في شعار.
بقلم: عبير نبيل محمد
امرأة من حبر النار
