الدولة الإلكترونية حين تصبح التقنية صمّام أمان للوطن، لم يعد التحول إلى الدولة الإلكترونية رفاهية إدارية أو خيارًا مؤجلًا، بل أصبح ضرورة وجودية لحماية الدول من الانهيار في أوقات الأزمات والحروب والكوارث. وتجربة المملكة العربية السعودية تمثل نموذجًا عمليًا متقدمًا في هذا المسار، إذ لم يكن التحول الرقمي فيها مجرد تحديث للخدمات، بل إعادة صياغة عميقة لمفهوم الدولة ووظيفتها واستمراريتها.
في السعودية لم يعد المواطن أسير مكان واحد لإنجاز معاملاته، فالسجل المدني، والصحة، والتعليم، والخدمات العدلية والمالية، تحولت إلى أنظمة رقمية مؤمنة، متاحة من أي مكان داخل الدولة أو خارجها. وبهذا التحول لم تعد العاصمة نقطة اختناق تتوقف عندها حياة الدولة إذا تعرضت لخلل، بل أصبحت الدولة شبكة مترابطة قادرة على العمل والاستمرار مهما تغيرت الظروف.
في المقابل، كشفت الحرب في السودان خللًا استراتيجيًا عميقًا تمثل في الاعتماد الكلي على العاصمة كمركز وحيد للدولة. فسقوط الخرطوم أو تعطلها أدى إلى شلل شامل، حيث ضاع السجل المدني، وتهددت هوية المواطنين، وتوقف التعليم وضاع الأرشيف الأكاديمي، وانهار النظام الصحي، وتعطلت المعاملات الرسمية، واهتز الوجود القانوني للدولة. وعندما تُختزل الدولة في مدينة واحدة، تتحول هذه المدينة من مركز قوة إلى نقطة ضعف قاتلة.
ومع الحرب، لم يقتصر العذاب على فقدان الأمن والمأوى، بل دخل المواطن السوداني في ما يمكن تسميته بحرب المستندات،فقد أصبح استخراج الأوراق الثبوتية، أو شهادة الميلاد، أو الجواز أو مستندات التأشيرات رحلة عذاب تمتد لآلاف الكيلومترات داخل البلاد وخارجها في وقت يعيش فيه المواطن أصلاً تحت وطأة النزوح والفقر والخوف. وهكذا تحولت الوثيقة الرسمية من حق أساسي إلى معركة يومية تُضاعف من معاناة الإنسان.
لو كانت الدولة قائمة على بنية إلكترونية موزعة وغير مركزية، لما أدى استهداف العاصمة إلى هذا الانهيار، فالدولة الإلكترونية تقوم على قواعد بيانات مؤمنة، ونسخ احتياطية داخلية وخارجية، وربط المؤسسات بأنظمة رقمية لا بمبانٍ.
وبهذا، حتى لو تعطلت مدينة أو وزارة، تبقى الدولة قائمة وتؤدي وظائفها الأساسية.
إن عدم مركزية العاصمة لا يعني تهميش فكرة العاصمة ودورها بل تعزيز قدرتها على الصمود، واللامركزية الإدارية حين تُدار عبر حكومة إلكترونية، تصبح عنصر قوة لا تفكيك، وما حدث في الخرطوم درس قاسٍ لكنه واضح الدولة التي لا تُرقمن مؤسساتها ولا تحمي بياناتها، دولة مهددة بالضياع وفقدان الهوية والتلاشي عند أول أزمة، ولهذا فإن إقامة حكومة إلكترونية عاجلة لم تعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة إنسانية وأمنية ووطنية، وتجربة السعودية خير مثال.
