لا تنتظم حياةُ الناس إلا إذا وُجد ميزانٌ يقيم العدل، ولا تهدأ المدن إلا إذا مشت على أرصفتها خطواتُ الأمن مثل موسيقى خفية تطمئن القلوب. وفي السودان، حيث تتحاور الرمال مع النيل، وحيث تنتصب الحكمة على ضفاف القرى كما تنتصب النخيل، نشأت الشرطة السودانية كأحد الأعمدة الراسخة في بناء الدولة. كانت كالفجر في الليل الدامس؛ ضوءٌ ينمو شيئًا فشيئًا، تتضح ملامحه، ويتعوّد الناس على حضوره حتى يصبح جزءًا من حياتهم اليومية. فكما يقول أهل السودان: “الأمن لو غاب… الكلام بقى ساي”.
الشرطة السودانية… من لحظة الميلاد حتى نضج التجربة
وُلِدت الشرطة السودانية في أواخر القرن التاسع عشر، حين تبدّلت أحوال البلاد ودخل الحكم الثنائي أرض السودان، فكانت بداية البوليس الحديث. لم يظهر البوليس فجأة، بل جاء كغرسٍ جديد في تربةٍ تعرف جيدًا معنى السلطة والعرف. كان الناس يومئذٍ ينظرون إليه نظرةً مزدوجة، فيها شيءٌ من الخوف وشيءٌ من الرجاء، تمامًا كما ينظر المزارع إلى السحاب حين يتجمع في الأفق؛ يخشى البرق لكنه يرجو المطر.
اختلطت سلطة الدولة الناشئة آنذاك بسلطة الشيوخ والعمد، فبدت الشرطة كجسرٍ بين عالمين: عالم المدينة الحديثة التي تُراد لها القوانين، وعالم الريف الذي يعيش بعاداته الراسخة. وكانت العلاقة بينهما مثل ملتقى النيلين في المقرن؛ ماءان يختلفان لونًا، لكنهما يمتزجان في المجرى الكبير للأمة.
وجاءت السودنة لتمنح الشرطة روحها الحقيقية. أعلنت تلك الحقبة ميلاد الجهاز الوطني حين ارتدى الضباط السودانيون بزاتهم وأخذوا مواقع القيادة. بدا المشهد أشبه بإعادة الروح إلى الجسد؛ فالوطن، الذي ظل طويلاً تحت حكم الآخرين، صار الآن ينهض برجاله، يصوغ الأمن بيده، ويُعيد تنظيم المدن بأسلوبه الخاص. وفي تلك الفترة شاع بين الناس قولهم: “البوليس ما بجي عبث”، وهي حكمة تعبّر عن شعور المجتمع بأن ظهور الشرطة ليس حدثًا عابرًا، بل رسالة تحمل معنى الانضباط والعدل.
ومع الزمن، ومع عبور العقود من الستينات حتى نهايات القرن الماضي، اتسعت دائرة الشرطة كما تتسع هالة الضوء من حول الفانوس في ليلةٍ ريفية. نضجت التجربة، واشتدت عضلات الجهاز الشرطي، وبدأت إداراته تتلون بتخصصات عديدة تعكس اتساع الدولة وتعقد الحياة. وصارت كلية الشرطة والقانون بمثابة منارة تُصقل فيها العقول، مثل حدّ السيوف حين يلمع بعد طول طرق. وتحوّل رجل الشرطة إلى جزءٍ مألوف من المشهد السوداني، تراه في الطرقات، وتسمع صافرته في الأسواق، وتسمع عنه في القصص، ويظهر في النكتة كما يظهر في الجد.
البوليس في الأدب الشعبي السوداني…
لم يكن البوليس مجرد مؤسسة تؤدي مهامها، بل تحوّل إلى رمزٍ يتجلى في لغة الناس وأمثالهم وأغانيهم، حتى صار حضوره في الأدب الشعبي أشبه بظلّ النخلة؛ ثابتًا وواضحًا وممتدًّا عبر الزمن.
وفي الأمثال السودانية، وهي خزائن الحكمة التي تصوغها التجارب اليومية، يظهر البوليس كمعادلٍ للهيبة والنظام. فقد قالوا: “كان خفت من البوليس ما تعمل العوجة”، وهي جملة تجمع بين النصح والإنذار، وتربط السلوك بالعاقبة دون حاجة إلى شرحٍ طويل. وقالوا كذلك: “البوليس في الواجهة والحرامية من ورا الزار”، وهو تصوير بالغ الدقة لطبيعة الصراع بين الجريمة والقانون. هذه الأمثال، ببلاغتها التي مزجت السخرية بالحكمة، تُظهر أن الشرطة لم تكن بعيدة عن مجالس الناس، بل كانت حاضرة في حديثهم اليومي، حاضرة مثل الملح في الطعام؛ لا تُرى ولكن يُعرف أثرها.
الأغاني الشعبية… بين الحب والبطولة
وفي الأغاني، التي تُعد أحد أهم أبواب الوجدان السوداني، جاء ذكر البوليس في سياقات متعددة. ففي أغاني البنات التي تتراقص فوق دُفوف الفرح، يردّد الصوت الشعبي: “يا بوليس ما توقفنا… نحن ماشين في طريقنا”، وهي عبارة تتجاوز معناها الظاهر لتدل على روحٍ ترى في الحياة طريقًا ينبغي أن يُعبر، مهما تعددت الحواجز.
وفي سياقات أخرى، يظهر البوليس كبطلٍ لا يُفارق الناس، كدرعٍ يصدّ الخوف، وكسيفٍ يشق طريق الأمن. يصبح في الأغنية رمزًا للشموخ، كجبلٍ يقف ثابتًا أمام الرياح.
الحكايات والقصص… البوليس في ضوء الرتاين
وفي الحكايات الشعبية التي تُروى تحت ضوء “الرتاين” في الأمسيات القديمة، كان البوليس يظهر باعتباره اليد التي تُنهي الخصومات، وتعيد الحقوق لأصحابها، وتزرع الطمأنينة في الليل الطويل. يتحدث الحكواتي عن “الكونستبل” الذي قبض اللص في لحظةٍ فارقة، وعن “العسكري” الذي أطفأ فتيل نزاع قبل أن يتحول إلى نارٍ تأكل الحي كله. تبدو الشرطة في تلك القصص كفكرةٍ أخلاقية قبل أن تكون قوة، وكمعنى قبل أن تكون سلطة.
الشعر والدوبيت… صورة الشرطة في وجدان الريف
أما في الشعر والدوبيت فقد ظهر البوليس بصورةٍ تجمع بين الوقار والبطولة. قال شاعرٌ من البطانة، يصف حارس الليل:
الليل تقيل والحارس النوم غلابو
غير البوليس ما بصدّ بوّابو
يحرس ضراع البلد لا خابو
وسوطو يقوم من قليل الأسبابو
وترنم شاعر آخر بصورةٍ أكثر روحانية، حين قال:
يا بوليس البلد واقف على اخفافك
تردّ الهوجة وتقيف على حفافك
لو ما وجودك شمس البلد تنطفي
ونجومها تبكي الليل على أطرافك
هذه الأبيات تؤكد أن الشرطة لم تكن في نظر الناس مجرد وظيفة، بل كانت صورة من صور الوطن ذاته، تستمد قدسيتها من قدرتها على حماية الأرواح وحفظ الكرامة.
النكتة السودانية… بين السخرية والمحبة
حتى النكتة السودانية، بخفّتها وروحها الساخرة، لم تُغفل الشرطي. لكنها لم تجعله مادةً للاستهزاء، بل جعلته رفيقًا للناس في يومياتهم؛ تارة يُدهشهم بفطنته، وتارة يضحكون من موقفه، ولكنهم دائمًا يشعرون أنه منهم ولهم، يقاسمهم تفاصيل الطرقات والأسواق والزحام.
الشرطة بين الخوف والطمأنينة
يتجلى حضور الشرطة في الوجدان الشعبي السوداني بحضورٍ مزدوج، يشبه النار في الشتاء؛ تدفئ من يقترب منها بحكمة، وقد تُحرق من يعبث بها. فهي مصدر الطمأنينة حين تدهم الفوضى، وهيبةٌ تجعل الناس يعيدون حساب خطواتهم قبل أن يقع الخطأ. وقد ظلّ البوليس في الذاكرة الشعبية رمزًا لمعادلة دقيقة تجمع بين سلطة الدولة واحتياجات المجتمع، كما يجمع الليل بين السكون والرهبة.
هكذا تبدو الشرطة السودانية في تاريخها الطويل وفي وجدان شعبها: مؤسسةٌ وُلدت من رحم التحولات الكبرى، ونمت مع نمو المدن، وترسخت في ضمير الناس حتى أصبحت أحد أعمدة الحياة. لم يحكِ عنها التاريخ فقط، بل حكت عنها الأغاني والأمثال والحكايات والدوبيت، فصارت صوتًا من أصوات البلد، وظلًا يحرس الطريق، ومعنىً يتردد في لغة الشعب حين يفكر، ويغني، ويحكي، وينصح، ويضحك.
