السبت, مارس 21, 2026

زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة ترامب…الاستهبال السياسي في الملف السوداني (الحلقة2)

ترامب الذي تُتقن بلاده لعبة السياسة في كل ساحة دولية ، اختار هذه المرة أن يرتدي قناع الجاهل بما يجري في السودان ، رغم أن واشنطن نفسها كانت جزءا أصيلا من منبر جدة الذي اشتغل على إنتاج هدن أسبوعية مع المملكة العربية السعودية ، لوقف إطلاق النار في عام الحرب الأول ، ورغم أن تفاصيل النزاع السوداني كانت تُناقش في غرف مغلقة داخل المؤسسات الأميركية ، وضمن مشاورات حساسة جرت على أرضها بين مسؤولين سودانيين وأميركيين ، لبحث عقد الأزمة السودانية إلا أن ترامب اختار فجأة أن يتظاهر بأنه لا يعرف شيئا ، وكأن ملف السودان لم يمر يوما عبر مكتبه ولا عبر مستشاريه .

ترامب الذي صرّح وزير خارجيته علنا بعد مجازر الفاشر ، ووصف الدعم السريع بأنها ارتكب جرائم يجب أن تُعاقب عليها ، يتجاهل اليوم كل ذلك ، ويتجاهل أيضا العقوبات التي فرضتها الخزانة الأميركية على قيادات من الجيش السوداني ، وقيادات من المليشيا في خطوة ساوت بين دولة وجيش وطني ، وبين مليشيا قاتلة عابرة للحدود ، ويعود اليوم ليلبس رداء الوديع البريء ، وكأنه لا يعلم شيئا عن السلاح الأميركي الذي وصل إلى يد المليشيا ، ولا من موّل ولا من نقل ولا من سهّل ، وكأن كل ذلك يحدث في عالم آخر بعيد عن واشنطن .

لكن ما دام ترامب قد قرر أن يمارس الاستهبال السياسي ، فالسودان ليس مضطرا لأن يتعامل دائما بكثير من العقلانية ، فلا بأس أن يلتقط السودان القفاز ويتعامل مع الموقف الأميركي الجديد ظ بالقدر ذاته من البرود والذكاء ، فيرحب بالموقف وينخرط في أي مفاوضات مطروحة ، ولكن على أساس مبادئه وشروطه هو لا على أساس شروط من يرعى المليشيا ، ومن سكت عن جرائمها ومن منحها الغطاء السياسي يوما ، الترحيب لا يعني القبول ، والمشاركة لا تعني التنازل ، فثمن السلام لا يمكن أن يكون مكافأة لقاتل ، ولا مكافأة لأحزاب الحرية والتغيير التي وفرت للمليشيا حماية سياسية ، وسعت لإعادة إنتاجها في المشهد السوداني .

شروط السودان واضحة لا لبس فيها ، لا مستقبل للمليشيا في سودان ما بعد الحرب ، ولا مكانًا سياسيًا لكل من ارتبط بها ، أو دافع عنها أو موّلها أو شرعن وجودها ، ولا حوار يمكن أن يكون على حساب كرامة الإنسان السوداني أو دمائه أو حقوقه ، فإذا كانت الولايات المتحدة ومعها الجهة التي دفعت لها برؤية جديدة حول الملف السوداني ، جادة فعلا في إنهاء الصراع فلن تحتاج إلى منابر جديدة ، ولا إلى بيانات مطولة ولا إلى جولات تفاوض بلا نهاية .

الحل أبسط من كل ما يقال ، وبكلمة واحدة عليهم أن يبتروا اليد التي تموّل المليشيا وتزودها بالسلاح والمرتزقة ، فحينها لن يحتاج السودان إلى قتال طويل . ولا إلى مفاوضات مرهقة ، سينفض المرتزقة من حول المليشيا كما ينفض الغبار عن الكف ، وستتوقف الحرب التي استهدفت الإنسان السوداني قبل أن تستهدف الدولة ظ الحرب التي لم تكن لتستمر لولا المال والسلاح ، لا القوة الذاتية للمليشيا .

السودانيون يفهمون اللعبة ويدركون أن ترامب ليس غافلا ولا جاهلا ، وأن وراء الاستهبال السياسي حسابات ومصالح وغطاءات إقليمية ودولية ، لكنهم يدركون أيضا أن الأرض تغيّرت وأن كلفة رعاية المليشيا أصبحت محرجة ، لمن كان يراهن عليها ، وأن السودان مهما طال ليله لا يُقاد بالوكالات ، ولا يرسم مستقبله إلا بقراره وإرادته…لنا عودة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات