الجمعة, مارس 20, 2026
الرئيسيةمقالاتمحنة الوعي.. بين مسؤول يترفّع ومستشار يتشفّى ...

محنة الوعي.. بين مسؤول يترفّع ومستشار يتشفّى بقلم/ د. إسماعيل الحكيم


Elhakeem.1973@gmail.com
إننا في زمنٍ تتداخل فيه الأصوات، وتضيع فيه بوصلة الرشد بين ضجيج منصات التواصل وضوضاء السجالات السياسية وإذ نحن بين هذا وذاك يطلّ علينا وزير الثقافة والإعلام السوداني خالد الإعيسر بلفتة نادرة، تليق بالكبار ولا تصدر إلا عن رجالٍ يعرفون قدر الكلمة ووزن المسؤولية. فقد قدّم اعتذارًا صريحًا لصحفي ذكّر به الجميع بأن الأخلاق ليست زينة يُتجمَّل بها السياسيون، بل مسؤولية ينهض بها من يؤمن أن السلطة تكليف لا تشريف.
اعتذار الإعيسر جاء إثر ما أصاب أحد الصحفيين جراء نقده البنّاء لغياب رئيس الوزراء وسفره سرًّا، وهو نقد ينتمي إلى صميم الدور الرقابي للإعلام، لا إلى معارك التشهير أو مناكفات الاصطفاف. وما جعل الاعتذار أكثر دلالة، وأكثر إشراقًا، أنّ الوزير استهلّه بتعريف نفسه: “أنا صحفي قبل أن أكون وزيرًا.”
ولعمري، تلك ليست جملة عابرة، بل إعلان موقف. موقف يردّ الاعتبار لقلمٍ تجرد من كل شيء إلا حب الوطن والغيرة على شأنه العام، ويؤكّد أن الانتماء الحقيقي للمهنة لا يسقط بمجرد الانخراط في الجهاز التنفيذي.
وفي المقابل، وبينما قدّم الوزير درسًاً في التواضع المؤسسي والتعالي الأخلاقي، وجد الصحفي نفسه في مرمى سهام أخرى، هذه المرة من مستشار رئيس الوزراء نفسه، سهام لم تحمل روح الحوار ولا رصانة الدولة، بل حملت تشفّيًا وتحقيرًا لا يليق بمن يفترض أنه جزء من مؤسسة يفترض فيها الوقار السياسي واحترام حرية النقد.
ولم يتوقف الأمر عند الكلمات، بل تحوّل إلى بلاغات وسجالات، تزيد المشهد عتمة وتكشف الفارق الجوهري بين من يترفّع عن الخصومة، ومن ينغمس فيها.
هنا تتجلى المفارقة الكبرى ، وزير يعتذر لأنه يحترم مهنته ويكبر في عيون الناس… ومستشار يتشفّى لأنه لم يدرك بعد أن السلطة مسؤولية وليست سلاحًا.
وفي خضم هذه السجالات، يبقى الإعلام إعلامًا ما دام يقوم بواجبه الرقابي على الجهاز التنفيذي، لا يخشى لومًا ولا يخضع لرهبة منصب. فإن فقد الإعلام دوره، وخاف الصحفي من كلمة الحق وحق الكلمة وتحوّل النقد المهني إلى تهمة، فحينها يصبح الإعلام طبلاً في زفّة الطُرش… (جمع أطرش) ولساناَ ناعقاً لا غير..
إن المشهد بكل ما فيه من ضوضاء وخلاف، يعيد تذكير الجميع بأن المعركة الحقيقية ليست بين وزير وصحفي، ولا بين مستشار وناقد… بل بين وعيٍ يريد للوطن أن ينهض، ونفوسٍ لا تزال أسيرة حساباتها الصغيرة.
وما بين الاعتذار النبيل والكيد الرخيص، سيظل الشعب يرى الفارق بوضوح، لأن الحقيقة مهما حوصرت لا تموت… ولأن احترام الكلمة يظل دائمًا من شيم الكبار. شكراَ جزيلاَ ونبيلاً لك الأخ الوزير.. الإعيسر..

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات