البيان الذي تلاه وزير الدفاع عقب اجتماع مجلس الأمن والدفاع السوداني جاء بصيغةٍ تحمل مزيجاً من اللغة الدبلوماسية والرسائل العسكرية، ما يجعله بياناً غامض الدلالة ومفتوح التأويل. فهو من ناحية يرحّب بالمقترح الأمريكي وجهود السلام، لكنه من ناحية أخرى يؤكد الاستعداد لـ”معركة الشعب السوداني في المرحلة المقبلة”، في تناقضٍ واضح بين الدعوة للسلام والاستعداد للحرب.
استخدام البيان لعبارات مثل “الترحيب بالمقترح الأمريكي وجهود السلام” دون أن يتبعها بعبارة “الموافقة على الهدنة”، يمثل أسلوباً دبلوماسياً مقصوداً يهدف إلى إظهار قدرٍ من الليونة دون تقديم التزام فعلي.
فالحكومة تسعى — كما يبدو — إلى كسب الوقت وتجنّب الظهور بمظهر المعطل للسلام أمام المجتمع الدولي، مع الاحتفاظ في الوقت ذاته بحرية العمل العسكري والسياسي وفق رؤيتها الخاصة.
هذا النوع من اللغة شائع في البيانات الرسمية للدول التي تواجه ضغوطاً دولية ولا ترغب في تقديم تنازلات علنية.
العبارة اللافتة في البيان هي تأكيد الاستعداد لـ “مواصلة التجهيزات لمعركة الشعب السوداني في المرحلة المقبلة”. هذه الجملة تنسف عملياً مضمون أي هدنة محتملة، إذ تعني أن الخيار العسكري لا يزال محور استراتيجية الحكومة، وأنها لا ترى أن الحرب بلغت بعدُ مرحلة التسوية.
بل يُفهم من الحديث عن “المرحلة المقبلة” أن ثمة تصعيداً مرتقباً يجري التحضير له، وأن السلام مؤجّل حتى إشعار آخر.
أشار البيان إلى مناقشة جرائم الإبادة الجماعية في الفاشر وتشكيل لجنة وطنية للشأن الإنساني.
ورغم أهمية هذين البندين، إلا أن إدراجهما في هذا السياق يخدم غرضاً سياسياً مزدوجاً:
- تبرير استمرار الحرب باعتبارها دفاعاً عن المدنيين ومواجهة للإبادة.
- رفض الوصاية الدولية على الملف الإنساني، من خلال حصره في لجنة وطنية دون إشراك وكالات الأمم المتحدة أو المنظمات الدولية.
وهذا يعزز الانطباع بأن الحكومة تتحفظ على الدور الدولي في إدارة الأزمة، بما في ذلك المبادرة الأمريكية ذاتها.
من الواضح أن البيان صيغ بذكاء سياسي يخاطب الخارج بلغة السلام والداخل بلغة الحرب، وهي سمة متكررة في الخطاب الرسمي منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
فبينما تُرسل الحكومة إشارات إيجابية إلى واشنطن والمجتمع الدولي بأنها منفتحة على الحلول السلمية، فهي في الوقت ذاته تحشد الداخل تحت شعار “معركة الكرامة”، محاولةً إعادة تأطير الحرب كصراع وطني لا سياسي.
إن الصيغة الملتبسة للبيان، وتناقض رسائله بين الانفتاح على المقترح الأمريكي والاستعداد للمعركة، قد تعكس تبايناً في وجهات النظر داخل مجلس الأمن والدفاع نفسه.
فمن المرجّح وجود تيارين داخل المجلس:
تيار يميل إلى القبول بالحوار والهدنة استجابةً للضغوط الدولية وتفاقم الوضع الإنساني.
وتيار آخر عسكري متشدد يرى في الهدنة تهديداً لمكتسباته الميدانية ونافذة لتدخل خارجي قد يقلّص سلطته.
وقد يكون البيان ثمرة تسوية داخلية بين التيارين، فجاء بصيغة تُرضي الطرفين: لا ترفض المبادرة صراحة، ولا تقبلها عملياً.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن البيان ليس قبولاً حقيقياً بالمقترح الأمريكي، بل هو رفض مغلّف بلغة دبلوماسية.
الحكومة أبقت الباب موارباً أمام الحوار لكنها تسير فعلياً في طريق الحرب، ما يعني أن السلام في السودان ما زال مؤجلاً، وأن الأطراف تستعد لجولة جديدة من الصراع.
