لم يكن مشهد هبوط إحدى طائرات شركة بدر للطيران في مطار الخرطوم مشهدًا عادياً عابرًا في سجل الأحداث، بل كان لحظةً تتجاوز معناها المادي إلى رمزٍ يختصر رحلة وطنٍ بكامله. فإن بدا الهبوط في ظاهره عودةً إلى الأرض، فإن باطنه صعودٌ إلى سماء الهمة والعزيمة والإرادة الوطنية.
بعد ثلاثين شهرًا من النزوح واللجوء والمعاناة والوحشة المقصودة ، تهبط طائرة بدر على مدرج الخرطوم لتعلن — في صمتٍ مهيب — أن العاصمة التي أرهقتها الحرب بدأت تفتح ذراعيها من جديد، وأن العودة إليها لم تعد حلمًا مؤجلًا بقدر ما انه واقعاَ ماثلاً..
إن المطارات ليست بوابات سفر فحسب ، بل هي عناوين للسيادة ورموز لقيام الدولة وتعريف بها ، ومن هنا فإن هذا الهبوط كان في حقيقته إقلاعًا نحو فجر الخرطوم الجديدة. خرطوم تتكئ على عزيمة أبنائها، وحكمة قادتها، وبسالة جيشها، وتضحيات شهدائها الذين سقوا ترابها بدمائهم الزاكية ليظل الوطن مرفوع الرأس عزيز الجانب.
لقد سبقت شركة بدر للطيران الجميع، وكتبت بوقود طائرتها أول سطور العودة المباركة الميمونة فكانت رائدةً في تدشين مرحلة البناء والإعمار، ومبشرةً بأن الخرطوم — التي ظن أهلها أن جراحها ستطول — بدأت تتعافى وتستعيد نبضها.
إن خبر هبوط بدر في مطار الخرطوم ما كان خبرًا عاديًا، بل بشارة وطنية تحمل في أجنحتها وعدًا بأن ما تهدم سيُبنى، وما غاب سيعود، وأن الأمل ما زال في هذا البلد خصبًا لا يعرف الجفاف.
فها هو أول الغيث قد نزل،
وغدًا تُزهِر الخرطوم كما لم تُزهِر من قبل، وبإذن الله تعالى، بل وبسواعد رجالٍ آمنوا أن السماء لا تُستعاد إلا حين تهبط بدراً.. وتتقارب أنفاس الاهل وشعارهم يومئذ.. وتعاونوا على البر والتقوى..
Elhakeem.1973@gmail.com
