الأحد, أغسطس 31, 2025
الرئيسيةمقالاتمدينة الإنتاج الحيواني بين الرؤية الاستراتيجية والضرورة الإسعافية. ...

مدينة الإنتاج الحيواني بين الرؤية الاستراتيجية والضرورة الإسعافية. بقلم: أبوعبيده أحمد سعيد



أعلن وزير الثروة الحيوانية والسمكية د. أحمد التجاني عن انطلاق خطة وزارته الاستراتيجية من ولاية نهر النيل عبر مشروع مدينة كبيرة للإنتاج والتصنيع الحيواني. المشروع يتضمن مزارع حديثة للأبقار والضأن والماعز والإبل، ومصانع لتصنيع اللحوم ومنتجات الألبان والجلود وفق معايير عالمية، بما فيها الحصول على شهادات الآيزو التي تفتح الباب أمام الأسواق العالمية.
هذه الرؤية الطموحة تستحق الإشادة، إذ تضع قطاع الثروة الحيوانية في مكانه الصحيح كمورد رئيسي للأمن الغذائي المحلي وللنقد الأجنبي.
لكن عند قراءة الواقع الميداني والبيئة الداخلية والخارجية، تظهر تحديات كبيرة تجعل من الصعب البدء بمشروع بهذا الحجم الآن:
1- الواقع الميداني
تقديرات الخبراء تشير إلى أن أكثر من 80% من قطاع الدواجن والألبان والثروة الحيوانية في ولايات الخرطوم والجزيرة وجزء من سنار والنيل الأبيض تعرض للتدمير الكامل أو الجزئي بسبب الحرب. توقفت مزارع، نفقت قطعان، تعثرت مصانع ألبان، وانقطعت الأعلاف والأدوية. القاعدة الإنتاجية نفسها منهارة، وبالتالي فإن الحديث عن مدينة جديدة يبدو سابقًا للمرحلة.
2- البيئة الاقتصادية الداخلية
• ارتفاع التضخم وتراجع القوة الشرائية.
• صعوبات في التمويل البنكي وارتفاع كلفة التشغيل (أعلاف، كهرباء، وقود).
• الحاجة إلى برامج دعم مباشر لإعادة تكوين القطعان وتوفير اللقاحات والأدوية.
3- البيئة الخارجية
• غياب الاستقرار السياسي والأمني يحد من تدفق الاستثمارات.
• ارتفاع تكاليف الشحن بعد القيود الإقليمية الأخيرة.
• الأسواق العالمية تشترط استدامة التوريد وضمانات الجودة، وهي أمور مرتبطة بسلامة البنية التحتية.
ما بين الحلم والضرورة
مدينة الإنتاج الحيواني فكرة عظيمة لكنها تنتمي إلى الأجندة طويلة المدى (3–5 سنوات). بينما الحاضر يتطلب برامج إسعافية عاجلة لإنقاذ القطاع من الانهيار:

  1. توفير الأعلاف والأدوية واللقاحات لمزارع الدواجن والألبان.
  2. إعادة تشغيل المجازر القائمة، وعلى رأسها مجزر الكدرو الذي يمثل بنية جاهزة يمكن أن تخدم السوق المحلي والتصدير إذا أعيد تشغيله بكفاءة.
  3. مد المزارع بخطوط كهرباء متخصصة لتخفيض تكاليف التشغيل وضمان استمرارية الإنتاج، بدلاً من الاعتماد على المولدات الباهظة.
  4. تأهيل الرعاة والمنتجين الصغار عبر برامج دعم مباشر لتقليل الخسائر وضمان بقاء النشاط.
    خاتمة
    وجود رؤية استراتيجية واضحة أمر إيجابي ويستحق التقدير، لكن المنطق الاقتصادي والأرقام تقول بوضوح: الأولوية الآن هي إنقاذ الموجود، لا بناء الجديد. فكما يقول المثل السوداني “الجفلن خلّهن، أقرع الواقفات“، المطلوب اليوم قرع الواقفات عبر دعم عاجل لقطاع الدواجن والألبان والثروة الحيوانية، ثم بعد استعادة العافية يمكن الانطلاق نحو حلم مدينة الإنتاج الحيواني التي ستجد بيئة أكثر ملاءمة وجاهزية للنجاح ..saeed.abuobid5@gmail.com
مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات