الأحد, أغسطس 31, 2025
الرئيسيةمقالاتامتحانات الشهادة السودانية بين القيام، التقويم، والتقييم: يا فرحة لم تتم…. ...

امتحانات الشهادة السودانية بين القيام، التقويم، والتقييم: يا فرحة لم تتم…. بقلم : ابو أيمن


تأتي امتحانات الشهادة السودانية هذا العام في ظرف استثنائي وطني بالغ القسوة، إذ يعيش الطلاب وأسرهم أزمات الحرب والنزوح وتدهور الخدمات الأساسية. هذه الخلفية المؤلمة تجعل من امتحان الشهادة أكثر من مجرد اختبار أكاديمي؛ إنه لحظة مفصلية في مستقبل جيل بأكمله، وفرصة لا ينبغي أن تُغتال بسبب ضعف الإعداد أو غياب العدالة في التقييم والتقويم.
*تفاوت التجربة: الهندسية والعلمي
*يشير طلاب المساق الهندسي هذا العام إلى أن امتحانهم جاء «غير نمطي» مقارنة بالسنوات السابقة، ليس بمعنى أنه كان أسهل بالضرورة، بل من ناحية توزيع الدرجات وتركيز الأسئلة. فقد لاحظ الطلاب أن الامتحان ركّز بدرجة كبيرة على ثلاثة أسئلة أساسية استحوذت على جزء ضخم من الدرجات، ما جعل احتمالية الحصول على درجات عليا مرتبطة جدًا بالإجابة الدقيقة على تلك الأسئلة المحدودة. مثل هذا التركيز يحدّ من تنوع التقييم، ويقلل من عدالة توزيع الفرص مقارنة بالنمط الأوسع الذي يغطي أجزاء أكبر من المقرر ويمنح فرصًا متوازنة لجميع الطلاب.
في المقابل، خرج كثير من طلاب المساق العلمي باكين من قاعات الامتحان بعد اختبار الكيمياء الذي وصفوه بالصعب على نحو غير معتاد، وبأسئلة فاجأتهم بمستواها وتعقيدها. هذه التفاوتات تفتح باب النقاش حول غياب الاتساق في الوزن النسبي للمحتوى، وتدرج الصعوبة، وأسلوب الصياغة بين المساقات المختلفة.
*آليات الإعداد: تساؤلات مشروعة*
*هنا تطرح أسئلة ملحّة:
*• كيف تُعد امتحانات الشهادة السودانية؟
• هل يتم ذلك عبر لجنة متخصصة متعددة الأعضاء، تراجع المنهج وتحدد الأوزان النسبية وتراعي تدرج الصعوبة؟
• أم يُستخرج الامتحان من «بنك أسئلة» يضمن الموضوعية والتوازن؟
• أم يُوضع أحيانًا بيد شخص أو قلة بلا مراجعات كافية؟
في الممارسات التربوية الراسخة، تُوضع الامتحانات عبر لجان موسعة ومتخصصة تضمن:
• شمول المنهج وتوزيع الوزن النسبي بشكل عادل.
• تدرج مستويات الصعوبة (سهل – متوسط – صعب) بما يسمح بتمييز المستويات الحقيقية دون ظلم.
• مراعاة الظروف الإنسانية مثل الحرب أو الأوبئة، عبر تبسيط الصياغة أو تقديم بدائل تقييمية.
غياب هذه الممارسات يعني فتح الباب للأخطاء والانحرافات التي قد تظلم آلاف الطلاب.
غياب أو ضعف التقويم
سؤال آخر جوهري:
*• هل تخضع الامتحانات لعمليات تقويم صارمة قبل اعتمادها؟
• هل توجد لجنة مستقلة لمراجعتها؟
• هل تتم تجربتها (pilot testing) أو تحليل تغطيتها للمقرر وقياس وضوح صياغتها؟
غياب مثل هذه الآليات يترك الامتحان عرضة لأخطاء الوزن النسبي أو عدم ملاءمة الصعوبة، ما يقوّض مصداقية الامتحان وعدالته.

ظروف الحرب: واقع لا يجوز تجاهله
يعيش طلاب السودان اليوم في ظل ظروف قاسية غير مسبوقة:
• النزوح، فقدان السكن، وانعدام الاستقرار الأسري.
• الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي والمياه، ما يجعل الدراسة المنزلية شبه مستحيلة.
• انتشار الأمراض مثل الكوليرا وأمراض المياه الملوثة، التي تثقل كاهل الأسر وتنهك صحة الطلاب.
• صعوبات مالية بالغة تحرمهم من الكتب أو الدروس الإضافية.
• انقطاع التعليم النظامي لفترات طويلة بفعل الحرب.
في مثل هذه الظروف، يصبح واجبًا أخلاقيًا وتربويًا على وزارة التربية والتعليم أن تضع هذه الحقائق نصب أعينها عند تصميم الامتحانات، كي لا تتحول إلى أداة فرز جائر تعاقب ضحايا الحرب والفقر، بل إلى وسيلة إنصاف تتيح لهم فرصة حقيقية في الحياة.
حول مسألة التخصص وتأثير الوزير
يُلاحظ – على سبيل الكناية – أن الوزير الحالي للتربية والتعليم أستاذ كيمياء في الأصل، ما يدعو للتساؤل:
• هل أثر هذا التخصص في «مزاج» وضع امتحان الكيمياء؟
• هل جرى وضع هذا الامتحان بمعايير صرامة أكاديمية أعلى من غيره؟
قد يبدو هذا التساؤل ساخرًا، لكنه يسلط الضوء على نقطة جدية: ضرورة استقلال لجان وضع الامتحانات عن توجهات الوزير الشخصية أو انحيازاته التخصصية. لا بد من وضع آليات حوكمة واضحة تضمن العدالة في جميع المواد، لجميع الطلاب، في كل المساقات.
خاتمة: يا فرحة لم تتم
امتحان الشهادة السودانية ليس مجرد اختبار لقياس المعرفة، بل هو بوابة أمل لجيل منكوب بالحرب والمرض والفقر. هذه البوابة لا ينبغي أن تُغلق في وجههم بامتحان غير عادل أو غير متوازن أو غير مراعي لظروفهم الإنسانية. يا فرحة لم تتم – هذه حال آلاف الأسر التي كانت تحلم بمستقبل أفضل لأبنائها. إن إصلاح آليات إعداد الامتحان، وإنشاء بنك أسئلة متوازن، وتكوين لجان مراجعة مستقلة، ومراعاة الظروف الإنسانية الطارئة، كلها ليست ترفًا إداريًا، بل حق أصيل للطلاب، وواجب على الدولة والمجتمع في آن واحد.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات