الخرطوم : حفية نورالدائم
في واحة الذاكرة الفنية، حيث تتساقط أوراق النسيان وتبقى عطور الخلود، احتضن «منتدى الرواد» – الذي ينظمه مركز الفضاء العالمي للثقافة والإعلام بالتعاون مع اتحاد المهن الموسيقية – أمسية استثنائية تحت عنوان «طريق الشوق»، خصصت للاحتفاء بمسيرة الفنان الراحل المقيم عبدالعزيز المبارك. جاءت هذه الليلة كتحية إجلال لصوت عذب وأداء فريد صاغ لنفسه مكانة راسخة في وجدان المستمع السوداني، مترعاً بالأصالة والجمال.
ومضات من سيرة الإبداع
استهل الأمين العام للمركز، الشاعر مختار دفع الله، شهادته الحية باستعادة محطات مضيئة من حياة الراحل، عائداً بذاكرته إلى عام 1975؛ حيث تبلورت ملامح تلك العلاقة الوثيقة التي جمعته بالمبارك، وبالملحن الفذ محمد الفاتح عوض كسلاوي الذي مهّد له الطريق بألحان باذخة.
وتوقف دفع الله عند محطات مفصلية في مسيرة الراحل؛ منها أغنية «بتقولي لا» للشاعر عثمان خالد، وقصة أغنية «يا عيون» التي انتظرت أطياف كلماتها أشهراً طويلة، إلى أن التقت بقرير عيني الشاعر إسحاق الحلنقي، لتصبح أيقونة خالدة ترتبط أبد الدهر بصوت المبارك.
وأشار دفع الله إلى أن فرادة عبدالعزيز المبارك لم تكن مقتصرة على حلاوة نبراته فحسب، بل تمثلت في مقدرته العالية على شق طريقه وسط كوكبة من عمالقة الغناء السوداني أمثال محمد وردي، وسيد خليفة، وعثمان حسين، وصلاح بن البادية، وتاج مصطفى، وزيدان إبراهيم، ليحفر اسمه عميقاً في صخرة الخلود الفني.
ولم تقتصر جغرافية صوته وسحره على ضفاف النيل، بل تخطت الحدود لتبلغ آفاقاً رحبة في أوروبا وشرق أفريقيا، حيث وجد صدى واسعاً في ألمانيا، وبريطانيا، وهولندا، فضلاً عن انتشاره في إريتريا، وإثيوبيا، والصومال، وجيبوتي؛ ممثلاً للأغنية السودانية خير سفير للثقافة والجمال.
صون الذاكرة الموسيقية
من جانبه، أكد نائب الأمين العام للتحالف الثقافي، عادل سنادة، أن «منتدى الرواد» يُمثّل نافذة حقيقية لتوثيق التجارب الإبداعية لرموز الفن السوداني وحمايتها من عاديات الزيان والنسيان. وأوضح أن المشروع يتجاوز مجرد سرد السير الذاتية إلى قراءة تحليلية واعية للمحطات المؤثرة في مسيرتهم، عبر شهادات حية لشعراء ومهتمين وموسيقيين، إلى جانب نفحات طربية تجسد روعة تلك الأعمال.
شدو يستنطق الذاكرة
بلغت الأمسية ذروتها حين تلاحمت الأصوات في فقرات غنائية ساحرة؛ حيث أبدع كل من الفنان الصادق شلقامي، والفنان الشاب خالد، والخير أحمد آدم (عضو فرقة «عقد الجلاد»)، والفنان عصام محمد نور، في تقديم باقة مترعة بروائع عبدالعزيز المبارك. أعادت هذه الوصلات الطربية صياغة الوجدان، وأثبتت أن «طريق الشوق» لم تكن مجرد استعادة لذكرى راحل، بل احتفاءً حياً بإرث لا يزيده تقادم الأعوام إلا ألقاً وبهاءً، فبعض الأصوات لا تموت، بل تستحيل لحناً أزلياً يسكن شفاه الزمن
