لم تعد المسألة مجرد سوء إدارة، ولا أزمة عجز في الإيرادات؛ ما يحدث اليوم في ولاية القضارف هو عملية “بيع علني” لحاضر الولاية ومستقبل أجيالها!
كيف لولاية تُعد سلة غذاء السودان، وتنام على بحار من الخيرات والموارد، أن تصل إلى درجة من “الإفلاس الفكري والإداري” تجعل أعلى سلطة فيها لا تجد حلولاً لسد عجزها المالي إلا ببيع الأصول، والمواقف العامة، والمتنفسات الوحيدة للمواطنين؟
حين تعجز السلطة عن “استنباط الموارد” وتطوير الإنتاج، تذهب إلى الحل الأسهل والأخطر: “التفريط في الأصول”. ولكن الفاجعة لا تتوقف عند بيع عقارات الدولة، بل تتعدى ذلك إلى السؤال الأكثر حرقة ومرارة في الشارع القضارفي: لحساب من تُباع هذه الأصول؟
إن الوقائع والمشاهد الميدانية تشير بأصابع الاتهام بوضوح؛ المنتفعون ليسوا خزينة الولاية المنهكة، ولا المواطن الصابر، بل هم دائرة ضيقة من المقربين، والأقرباء، ورجال الأعمال الذين وجدوا في هذه الأزمة فرصة لتوزيع المغانم وتقاسم كيكة الولاية تحت غطاء اللجان والقرارات الحكومية!
ولأن النار لا تخلف إلا الرماد، فقد كان من الطبيعي أن تقود هذه القرارات الرعناء إلى اشتباكات ميدانية وخلل أمني بين المواطنين وموظفي البلدية، بعد أن صمد الأهالي بحق دفاعاً عن مواقفهم العامة. إن تحويل الصراع إلى صدام بين موظف بلدية يقتات من يوميته ومواطن يدافع عن حقه هو قمة الاستهتار بالسلم الاجتماعي!
وهنا نضع الأسئلة الصريحة أمام الرأي العام والحكومة الاتحادية:
إلى متى يظل هذا التعنت والتمادي في تجريد القضارف من مقوماتها؟
وهل أصبحت الحكومة الاتحادية مجرد “مستمع” يكتفي بمراقبة انهيار الولايات وتفكيك مرافقها لصالح شبكات المصالح؟
إن القضارف ليست عقاراً معروضاً للبيع، ولا حقل تجارب لسماسرة الأراضي. وحين يصمت المركز عن تجاوزات الولاة، فإنه يشرعن الفوضى ويغرس بذور الانفجار الاجتماعي. أوقفوا مهزلة البيع فوراً.. قبل أن تسقط القضارف كلياً من جدول التنمية!
آخر الكلام..
القضارف لم تكن يوماً ولاية فقيرة، بل هي “حوت الغذاء” الذي يكفي ويعصم البلاد من الجوع، وما أفقرها سوى العقلية الإدارية التي تدير الأزمات بلغة السماسرة لا بعقلية الدولة. إن بيع الأصول وتجريف المواقف العامة ونزع متنفسات المواطنين ليس سوى هروب إلى الأمام من استحقاقات البناء والتنمية الحقيقية.
اليوم.. يقف الشارع القضارفي على برميل بارود؛ فإما التراجع الفوري عن هذه السياسات الرعناء وتصحيح المسار قبل فوات الأوان، وإما تحمل عواقب غضب جماهيري لن تطفئه لجان التمكين ولا سياسات التجاهل. ارفعوا أيديكم عن مقدرات القضارف، فالتاريخ لا يرحم من فرّط في حقوق الشعوب، وحكومة المركز التي تنظر بعين العرض وتصم الأذنين عن أنين الميدان شريكة في الجريمة. القضارف ليست تركة مستباحة.. و”حبل السبايا طقّ”!
ولنا عودة.. لي باقي الكلام.
