لأكثر من أسبوع، والسودان يتلقى الضربة تلو الأخرى عبر هجمات بالطائرات المسيّرة، استهدفت منشآت الكهرباء ومرافق حيوية في عدد من الولايات، في تطور خطير لا يمكن فصله عن محاولات تعطيل الحياة العامة، وعرقلة مسيرة التنمية، وإعاقة العودة الطوعية للمواطنين إلى مناطقهم، فضلاً عن تهديد الموسم الزراعي الشتوي الذي يعوّل عليه المزارعون كثيراً لتعويض خسائر الموسم الماضي الذي تأثر بشح الأمطار.
وتزداد خطورة هذه الهجمات مع انطلاق المسيّرات من الأراضي الإثيوبية، وتحديداً من منطقة أصوصا، وهي خطوة تستوجب تحقيقاً دولياً جاداً وموقفاً واضحاً إزاء أي انتهاك لسيادة السودان وأمنه القومي.
لكن، أي مجتمع دولي ننتظر منه الإدانة أو الشجب؟ وأي موقف يمكن أن نتوقعه من مؤسسات دولية ظلت عاجزة عن اتخاذ مواقف حاسمة تجاه ما يتعرض له السودان، في وقت تتداخل فيه المصالح السياسية مع حسابات بعض القوى الإقليمية والدولية الداعمة للمليشيا أو المتغاضية عن انتهاكاتها؟
ولم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد؛ إذ أقدمت إثيوبيا على إصدار قرار بإغلاق القنصلية السودانية في أديس أبابا، في خطوة جاءت على خلفية الاتهامات السودانية لها بالتورط في تسهيل انطلاق المسيّرات من أراضيها لاستهداف محطات الكهرباء والمنشآت الحيوية بالسودان.
إننا أمام تطورات تتجاوز حدود الخلافات الدبلوماسية التقليدية، لتضع العلاقات بين البلدين أمام منعطف بالغ الخطورة. فحين تصبح أراضي دولة مجاورة، منطلقاً لعمليات تستهدف منشآت دولة أخرى ومقدرات شعبها، فإن الأمر لا يعود مجرد خلاف سياسي، بل يتحول إلى قضية تتعلق بالأمن القومي والسيادة الوطنية.
وبهذه المعطيات، فإن إثيوبيا تضع نفسها أمام مسؤولية تاريخية وسياسية كبيرة، ويحق للسودان أن يتعامل مع هذه التطورات باعتبارها تهديداً مباشراً لأمنه وسيادته، وأن يتخذ ما يلزم من مواقف وإجراءات لحماية أراضيه وشعبه ومؤسساته، وفق مقتضيات القانون الدولي ومبدأ حق الدفاع عن النفس.
إن المرحلة الراهنة تتطلب موقفاً سودانياً موحداً، تتقدم فيه إرادة الشعب على الحسابات الضيقة، وتتكامل فيه الجهود الرسمية والشعبية والإعلامية للدفاع عن الوطن وكشف أي اعتداء يستهدف مقدراته.
لقد آن الأوان لاستعادة روح التكاتف التي تجلت في الأيام الأولى لمعركة الكرامة؛ ضغطاً إعلامياً واعياً، وموقفاً شعبياً موحداً، ويقظة وطنية لا تسمح بالمساس بسيادة البلاد أو التهاون في حقوق شعبها.
فالسودان ليس أرضاً مستباحة، وسيادته ليست موضع مساومة، وكرامة شعبه ليست أمراً يمكن تجاوزه. وفي الحارة نحن حماة الوطن، وسنظل صفاً واحداً في مواجهة كل من يستهدف أمن السودان واستقراره. وسنرد الصاع صاعين
