مدخل
قالها عبد العزيز بركة ساكن :
(إن الجنجويد ليسوا قبيلة، وليسوا عنصراً، فيولد الشخص خَيًّراً، ثم بعد ذلك له الخيار إما أن يصبح إنساناً أو جنجويد)
حين يعود من قال (أهون للجمل ان يلج من ثقب إبرة من أن يدخل جنجويد ملكوت الله)
انه مشهد لا يخلو من المفارقة التاريخية ان يعود الخرطوم الروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن للانضمام إلى لجنة تهيئة الحوار السوداني ،بعد سنوات من المنع والنفي و المصادرة ،نفس الرجل الذي كانت كتبه تمنع بقانون المصنفات الأدبية والفنية لعام ١٩٩١ يعود اليوم ليكون جزءا من حوار مستقبل الدولة التي منعت كتبه ،كانت له بصيرة المثقف الذي عايش الأحداث لم يكتب من برج عاجي او تحت املاءات خارجية ،اول من كتب عن الجنجويد عندما كانت الدولة تحاسب كل من ينتقدهم و تعتقل من يرفض وجودهم ، بركة ساكن لم يكن كاتب عاديا، لم يكن بعيدا عن الأحداث عمل في دارفور مستشار لمنظمة حماية الطفولة السويدية واليونسيف درب الأطفال على القانون الإنساني، شم رائحة البارود و شهد المعارك إلدامية، فكتب ما لم يجرؤ غيره على كتابته، في روايته (مسيح دارفور) قدم توصيف أدبي للجنجويد في الأدب السوداني، واختزل موقفه الأخلاقي منهم في جملة أصبحت أيقونة
(لم يتمظهر الشر مكتمل في الكون الا في الجنجويد انهم شر خالص)
وصفهم بأنهم (كثيفي الشعر تفوح منهم رائحة الموت ولا يقيمون للدماء حرمة)
صورة لم تكون خيالا روائيا بل توثيقا لما كان يحدث في دارفور قبل يعرفه العالم.
فى منشوراته الأخيرة بعد مجزرة الفاشر
كتب (انا مع الهدنةالانسانية على الرغم من معرفتي التامة ان الجنجويد لن يلتزموا بها ،فلا عهد لهم).
لا بد أن اذكر ان ساكن هو الزبون الدائم للرقيب كما يلقب في الوسط الأدبي، روايته (الجنقو مسامير الأرض) فازت بجائزة الطيب الصالح ٢٠٠٩ ثم صودرت ومنعت بتهمة خدش الحياء العام ،ليعود ويفوز بجائزة الادب العربي من معهد العالم العربي في باريس ٢٠٢٠ رواية (مسيح دارفور) فازت بثلاث جوائز فرنسية ادب المقاومة و ادب عالمي والادب الافريقي.
منحته فرنسا في أغسطس ٢٠٢٤ وسام جوقة الشرف برتبة فارس في الفنون والآداب ترجمت اعماله الي ١٠ لغات ومنعت في السودان ويقول عن المنع (هو نفس ما حدث للانسان في السودان جرائم إبادة نفذها نظام البشير ومليشيات الجنجويد)
ما يكتبه يشير إلى أنه مع الحوار
قبل شهور قال :
(الحوار هو نوع من المقاومة والدفاع عن النفس ولا يرفض الحوار الا من لا حجة قوية ومنطقة له ،السياسي البارع هو الذي لديه نقاط اتصال مع أعدائه بل حتى مع الذين يعتبرون عدوا لهم)
الرجل الذي رأي كيف حرقت القرى وكيف قتل الأبرياء رأي الدم والنار ،يرى أن الكتابه وحدها لا تكفى وان الفكرة حين تتحول إلى سلوك عادل تصبح قيدا.
من المنع الي الحوار هل ينجح صاحب (مسيح دارفور) ان يكون مسيحا لحوار سوداني جديد ام الفكرة ستظل قيدا كما كتب الدكتور إبراهيم شقلاوي
الايام وحدها ستجيب.
قصة عبد العزيز بركة ساكن ليست قصة روائي، بل قصة وطن حين منعت رواية (الجنقو) وصودرت (مسيح دارفور) واحرقت (مخيلة الخندريس) في الخرطوم عام ٢٠١٢،لم نكن نحرق ورقا كنا نحرق مرآة كانت ترينا وجهنا القبيح، التهميش، الجوع، الاغتصاب ،حرق القرى، الجنجويد.
ساكن لم يكذب هو رأي في دارفور ما نراه اليوم في الفاشر والخرطوم وقري الجزيرة كتب مبكرا (الجنجويد شر خالص لا عهد لهم) ،فاتهموه بالاساءة واليوم يردد كلامه حتى من كانوا يدافعون عنهم ،
عودته للخرطوم للانضمام للجنة تهيئة الحوار ليست تكريما لشخصه بل اعتراف متأخر بأن الدولة التي تحرق كتبه تحرق نفسها ، الفرق بينا وبين فرنسا إلتى منحته وسام جوقة الشرف فارسا للفنون والآداب ان فرنسا كرمت قلمه لانه قال الحقيقة ونحن صادرنا قلمه لنفس السبب،ان كان الحوار القادم يبحث عن ضمير السودان فليبدا من حيث بدأ بركة ساكن و نسمي الأشياء بمسمياتها ونقول للجنجويد انتم جنجويد وللضحيةانت ضحية للفاسد انت فاسد و للعميل انت عميل، للكاتب شكرا لانك قلت ما كنا نخاف قوله،
وحينها لا يدخل الجنجويد ملكوت السودان الجديد، المثقف الواعي يرى ما لايراه البعض
لذلك لم يكن مندهش مثلنا لما حدث في الفاشر و الجنينة والجزيرة لانه عايش ذاك الواقع المرير قال :
(ما حدث من مجزرة بواسطة الجنجويد وحلفائهم في الفاشر ليس غريبا ولا مدهشا ولا غير متوقع، فالذي يعرف الجنجويد جيدا، فهم ميالون لسفك الدماء والنهب والاغتصاب ،تلك وثقت لها الجنجويد بأنفسهم)
ليبقى في الذاكرة ماقاله للسياسيين الذين يناصرون المليشيا
(ويسبحون بحمد وذهب ووعد الجنجويد بالديمقراطية. والذين ينتظرون أن يسلمهم حميدتي مقاليد الحكم، إذا نجحت حيثيات ديمقراطيته الدموية، وإذا لم تنجح سينكرونه، بينما يدعوون الحياد).
يجب أن نقف طويلا و بحياد وتجرد تام حتى نتمكن من معالجة أخطاء الماضي والحاضر بتحليل ماقاله ساكن :
(لم يكن الشيطان يوماً في السودان أسوداً ذو قرون ، بل كان مشيراً في الجيش و ظابطاً في الجهاز و جنجويداً في الخلا)
حتى نتمكن من بناء وطن ينعم بالاستقرار و الديمقراطية والعدالة.
أشهر جملة يستخدمها الثوار حتى اليوم كتبها في رواية الطواحين عام ١٩٩٧
(الحزن الأكبر ليس يقال)
وحزننا الان على وطن تشبع بالدماء و الصراعات القبلية والجهوية والجهل وتلوث بالفساد والمحسوبية والمصالح الشخصية والخيانه وطن يغرق في المعاناة و الفقر وطن بلا وجيع.
في النهاية
كما قال
(الروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن: لو انتصر الجنجويد على الجيش السوداني فلن يكون هنالك دولة اسمها السودان)
لكن اخشي
إن تتعمق وتتجسد مقولته
(أصبحت البندقية في السودان، نوعًا من التفكير.)
تلك هى الكارثة
حسبي الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
Ameltabidi9@gmail.com
