هل سألت نفسك يوما، لماذا تتعب قلوبنا رغم أننا نؤمن بالله؟ ولماذا تضيق بنا الحياة أحيانا، حتى نشعر أن الصبر قد بلغ منتهاه، وأن الفرح أصبح بعيدا؟
لأننا بشر، نحمل في صدورنا أمنيات لم تتحقق، وأحزانا لم تبرأ، ووجوها غابت عنا وما زالت تسكن أرواحنا. لكن رحمة الله أوسع من أوجاعنا، ولطفه أقرب إلينا مما نظن.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له». رواه مسلم.
تأملوا هذا الحديث العظيم، فإنه لا يعدنا بحياة خالية من الأحزان، ولكنه يعلمنا كيف نحيا مطمئنين رغم الأحزان، وكيف نرى في الابتلاء بابا للأجر، وفي الصبر عبادة، وفي الرضا راحة للقلب.
في بيت بسيط، عاد أب مثقلا بهموم الحياة، وقد أعياه البحث عن الرزق. جلس صامتا، يخفي عن أبنائه ما يعتصر قلبه. اقترب منه طفله الصغير، ووضع يده في يده، وقال: لا تحزن يا أبي، ربنا معنا.
كلمات قليلة، لكنها تحمل من اليقين ما تعجز عنه الخطب الطويلة.
وهكذا هي الحياة، قد يأتي الفرج في كلمة، والسكينة في دعاء، والرحمة في إنسان يجبر خاطرك حين يظن الجميع أنك بخير.
ولعل أجمل ما نتعلمه من تقلبات الدنيا أن حسن الخلق لا يختبر في أيام الرخاء وحدها، وإنما حين نختلف مع الآخرين، وحين نغضب، وحين تضيق بنا الظروف. فليس عظيما من أحسن إلى من أحبه فقط، وإنما من حفظ كرامة من خالفه، وستر ضعف من احتاج إليه، وأحسن حتى وهو يتألم.
وما أحوجنا في زماننا هذا إلى قلوب رحيمة، تعرف أن وراء كل وجه حكاية، وخلف كل ابتسامة وجعا قد لا يراه أحد.
أيها الأحبة، لا تؤجلوا الكلمة الطيبة، ولا تبخلوا بالمواساة، ولا تجعلوا مشاغل الدنيا تنسيكم السؤال عن عزيز، أو بر والدين، أو جبر خاطر منكسر.
وتذكروا أن الدنيا مهما طالت قصيرة، وأن أجمل ما نتركه فيها قلب دعا لنا، ونفس أحسنا إليها، وأثر خير يبقى بعد رحيلنا.
همسة الجمعة
ليس الاطمئنان أن تتحقق كل أمنياتك، بل أن تثق بالله حين تتأخر، وأن تحمده حين يعطي، وأن تصبر حين يبتلي، وأن تعلم أن ما عند الله خير وأبقى.
اللهم يا من تعلم ما تخفي الصدور، أرح قلوبا أتعبتها الحياة، واجبر نفوسا أوجعها الفقد، وارحم أحبة رحلوا وتركوا في أرواحنا فراغا لا يملؤه إلا صبرك ورحمتك. اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا، وبارك في أعمار من نحب، وارزقنا حسن الخاتمة، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، واجعل لنا بعد كل ضيق فرجا، وبعد كل حزن سكينة، وعند لقائك رحمة ومغفرة ورضوانا.
جمعة مباركة، جعل الله قلوبكم مطمئنة، وأيامكم عامرة بلطفه ورحمته.
