تتجه أنظار العواصم العربية ومراكز القرار الإقليمي باستمرار نحو صناديق الاقتراع الإسرائيلية، لا باعتبارها مجرد “ممارسة ديمقراطية لكيان جارف في المنطقة”، بل بوصفها محطة مفصلية تعيد تشكيل خارطة التهديدات والفرص في الشرق الأوسط.
وفي كل دورة انتخابية، تجد الدول العربية نفسها واقعة بين مطرقة الصعود المستمر لليمين المتطرف وسندان الغموض التكتيكي لمعسكر المعارضة والوسط.
أولاً: المطرقة والسندان: ثنائية المشهد السياسي الإسرائيلي
عند فحص الخيارات السياسية داخل إسرائيل بالنسبة للعالم العربي، يتضح أن الرهان على تغيير جذري في السياسات الخارجية تجاه المنطقة يُعد رهانًا مجردًا من الواقعية السياسية:
مطرقة اليمين واليمين المتطرف:
تتمثل في التيارات الأيديولوجية الصهيونية الدينية واليمين القومي المتشدد. تعتمد هذه القوى على سياسة التوسع الاستيطاني، ورفض مبدأ حل الدولتين، واستخدام القوة العسكرية المفرطة كخيار أول في الملفات الإقليمية (غزة، لبنان، سوريا، وإيران)، وتهميش الحقوق الفلسطينية بشكل كامل.
سندان الوسط والمعارضة:
تطرح المعارضة نفسها عادةً كبديل “أكثر عقلانية وتنظيمًا” للمجتمع الدولي، لكنها في جوهر ملفات الأمن القومي والسيادة لا تختلف كثيرًا عن اليمين، فهي تتبنى الرؤية الأمنية ذاتها تجاه الحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي المباشر وتجنب التنازلات الجوهرية للجانب الفلسطيني.
ثانيًا: تداعيات النتائج على الملفات العربية الرئيسية
1. القضية الفلسطينية (الضفة وغزة)
تشكل الانتخابات الإسرائيلية الوقود الدافع للسياسات الاستيطانية، حيث تسعى الكتل السياسية المتنافسة لكسب أصوات المستوطنين عبر تقديم وعود بشرعنة المزيد من البؤر الاستيطانية وتقويض السلطة الفلسطينية.
أما بالنسبة لقطاع غزة، فتظل معادلة “التهدئة مقابل الأمن” أو “الحسم العسكري” محكومة بالحسابات الانتخابية وتصدير الأزمات الداخلية نحو الخارج.
2. اتفاقيات التطبيع والسلام الإقليمي
• دول الاتفاقيات الإبراهيمية: تتابع هذه الدول الانتخابات عن كثب، حيث تأمل في وجود حكومات إسرائيلية قادرة على الوفاء بالتعهدات الاقتصادية والأمنية دون إحراجها شعبيًا عبر خطوات أحادية كبرى مثل (ضم أراضٍ جديدة بالضفة).
• دول السلام التقليدي (مصر والأردن): تضعها النتائج أمام اختبارات صعبة، فالأردن يواجه خطورة التهديدات الديمغرافية ومحاولات المساس بالوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس، بينما تظل مصر حريصة على عدم تصدير الأزمات الأمنية إلى حدودها ومواصلة دورها في التهدئة بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني.
3. الملف الإيراني والأمن الخليجي
تتنافس الأحزاب الإسرائيلية على إظهار الحزم تجاه إيران وبرنامجها النووي ونفوذها الإقليمي، ورغم أن هذا الموقف يتقاطع ظاهريًا مع مخاوف بعض الدول الإقليمية، إلا أن اتخاذ خطوات عسكرية جائرة من قبل أي حكومة إسرائيلية جديدة قد يجر المنطقة بأسرها إلى مواجهات شاملة تؤثر سلبًا على الاستقرار الاقتصادي والأمني لدول الخليج العربي والمنطقة ككل.
ثالثًا: عرب 48: بيضة القبان المحاصرة في الداخل الإسرائيلي
يواجه المواطنون العرب (عرب 48) المعادلة ذاتها، فبينما يملكون قدرة تكتيكية على لعب دور “بيضة القبان” لترجيح كفة معسكر على آخر، إلا أنهم يواجهون محاولات التهميش والتضييق السياسي من قبل اليمين الإسرائيلي، والتحفظ على إشراكهم الحقيقي في صنع القرار من قبل المعارضة الصهيونية.
خلاصة التقرير
بالنسبة للعواصم العربية، نجد أن الانتخابات الإسرائيلية ليست اختيارًا بين “شريك سلام” و”عدو حربي”، بل هي اختيار بين نمطين من إدارة الصراع: نمط اليمين الفاقع الذي يفضل المواجهة المباشرة والتوسع الأيديولوجي، ونمط إدارة الصراع الاحترافي الذي يغلف الأهداف الاستراتيجية الذاتية بلغة دبلوماسية مقبولة عرفًا في المناورة.
وبالتالي تظل الدبلوماسية العربية مطالبة بصياغة استراتيجية موحدة تعتمد على الإمكانات الذاتية وبناء التحالفات الدولية، بدلًا من الارتهان لنتائج صناديق الاقتراع الإسرائيلية التي أثبتت التجربة التاريخية أنها تتجه اطرادًا نحو المزيد من التشدد واليمينية.
بقلم: عميد شرطة (حقوقي) م.
محمد علي عبدالله عبد الدائم
