السبت, أكتوبر 24, 2026
الرئيسيةمقالاتاقتصاد الحسادة: حين تصبح القرارات الاقتصادية معركة ضد الربح ...

اقتصاد الحسادة: حين تصبح القرارات الاقتصادية معركة ضد الربح بقلم/ م. محمد حسن سفيان

​عندما نراقب مسار السياسات الاقتصادية والقرارات التنظيمية التي تصدر تباعاً، يتولد لدى المراقب شعور عميق بأننا لسنا أمام مدارس اقتصادية معاصرة ولا حتى أمام تجارب تقليدية ثبتت نجاحاتها في إدارة الأزمات. فالمشهد المعروض لا يحمل شيئاً من نظريات النمو أو استقرار الأسواق بل يبدو محكوماً بنظم أخرى بعيدة كل البعد عن العلم الاقتصادي الرصين.
​يمكننا إطلاق مسمى اقتصاد الحسادة على هذه الحالة الفريدة. حيث لا تدير الجهات القائمة على أمر اقتصاد البلاد بعقلية التخطيط والتنمية، بل بنزعة نفسية خالصة قوامها التركيز المطلق على التاجر ولماذا يربح، وكأن تحقيق الأرباح في حد ذاته داء يجب استئصاله.
​استهداف الربح لا حماية السوق
​إن رصد مجمل القرارات واللوائح الاقتصادية الصادرة يكشف عن وجهة واحدة واضحة: استهداف حلقة التجارة والربح بحد ذاتها. تبدو السياسات كأنها صيغت خصيصاً للإجابة عن سؤال واحد لماذا يربح هذا التاجر كل هذه الأموال؟
​ومن واقع هذا الهاجس، تتوالى القرارات التي تستهدف تقييد الأنشطة التجارية، وفرض الجبايات المعقدة، والتضييق على حركة رؤوس الأموال، وكأن النجاح التجاري عدو مفترض للدولة، متناسين أن التجارة هي شريان الحياة لأي اقتصاد.
​شواهد الأزمة تتجلي في شح الوقود، الدقيق، وتدهور العملة
​والشاهد الحسي على فشل هذا النهج الإداري يتجلى واضحاً في الأزمات المتكررة والمتلاحقة التي تمس قوت المواطن وحياة الناس الأساسية ، بدءا من أزمات الشح الخانق في الوقود والدقيق، مروراً بكافة السلع التموينية والضرورية، وصولاً إلى الانهيار المستمر وتدهور قيمة العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية.
​إن هذه الاختناقات المتكررة ليست سوى النتيجة الطبيعية لسياسات تعرقل حركة التدفق الطبيعي للسلع والخدمات، وتحول السوق إلى ساحة للمطاردات بدلاً من أن تكون بيئة آمنة للمضاربة الشريفة والاستثمار.
​رد فعل التاجر وانعكاسه على الجميع
​القائمون على الأمر يتغافلون عن منطق السوق البسيط: التاجر لن يترك تجارته ولن يستسلم لخسارة رأس ماله.
​فعندما تُحاصر التجارة بالقرارات العشوائية، يلجأ التاجر مبتكراً طرقاً وأساليب أخرى لمواصلة عمله المحفوف بالمخاطر، مع اتخاذ تدابير قاسية لحماية رأس ماله من التآكل. وهذه التكلفة الإضافية الناتجة عن المخاطر والالتفاف على القرارات لن يتحملها المواطن ، بل ستنعكس فوراً في شكل ارتفاعات قياسية في الأسعار وتدهور في جودة السلع.
​الفاتورة يدفعها المواطن ومتخذ القرار
​النتيجة المأساوية لهذا الصراع هي أن المواطن المغلوب على أمره يجد نفسه أول المتضررين وأكثرهم اكتواءا بنار هذه السياسات، إذ يتلقى الصدمات المتتالية في معيشته وقوته وكرامته.
​ولكن الضرر لا يتوقف عند المواطن والتاجر فحسب، بل ينعكس سلباً وفي النهاية على متخذ القرار نفسه؛ إذ يجد نفسه محاصراً بانهيار اقتصادي شامل، وفقدان تام للسيطرة على الأسواق، وتفاقم للغضب الشعبي، ليثبت التاريخ مجدداً أن اقتصاد الحسادة لا يبني دولاً، ولا يحمي مجتمعات، بل يورد الجميع موارد الهلاك والكساد.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات