الخميس, أكتوبر 22, 2026
الرئيسيةمقالاتمعركة الكراهية بين الشعوب العربية.. حين يحارب العدو بأبناء الأمة نفسها. ...

معركة الكراهية بين الشعوب العربية.. حين يحارب العدو بأبناء الأمة نفسها. بقلم / محمد سيد


​ليست كل المعارك التي تستهدف الشعوب تبدأ بإطلاق الرصاص، وليست كل الحروب تُخاض بالدبابات والطائرات. فهناك معارك أخطر من المواجهة العسكرية، تُدار بالعقول والكلمات والمواقف، وتستهدف ما هو أعمق من الأرض والحدود؛ تستهدف الوعي، وتضرب الثقة، وتزرع الكراهية بين الشعوب حتى يصبح الشقيق خصماً، ويغدو ألم الجار مادة للسخرية والشماتة.
​إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له الشعوب العربية ليس اختلافها في المواقف أو تباينها في المصالح، فذلك أمر طبيعي بين الدول والمجتمعات، وإنما أن تتحول هذه الاختلافات إلى عداوات شعبية، وأن يصبح سقوط دولة عربية أو محنة شعب من شعوبها مناسبة للاحتفال لدى شعوب عربية أخرى، وكأن المصائب التي تحل بالآخرين لن تجد طريقها يوماً إلى أبواب المحتفلين بها.
​وهنا تتجلى خطورة المخططات التاريخية والاستراتيجية التي تقودها قوى الهيمنة الصهيونية والصليبية والماسونية العالمية، والتي أدركت منذ وقت مبكر أن قوة الأمة تكمن في وحدتها وتماسك شعوبها؛ فرسمت وثائق التفكيك وخرائط التقسيم لتفتيت العالم العربي والإسلامي إلى كيانات طائفية وإثنية متناحرة، تجعل من دول المنطقة مجرد دويلات ضعيفة منشغلة بخصوماتها الداخلية. إن ما يمارسه الكيان الصهيوني وحلفاؤه اليوم ليس مجرد صراع على جغرافيا محددة، بل هو استكمال لمشروع خبيث يستهدف تفكيك البنية الصلبة للشعوب العربية والإسلامية، وإحلال الكراهية بين أبنائها، بهدف رئيسي ومباشر هو عزل الشعب الفلسطيني، وتصفية حقه، وصرف أنظار الشعوب العربية عن أصل القضية الجوهرية والمركزية للأمة: قضية فلسطين.
​ولعل خير نموذج يستحضر خطورة هذا الشحن الممنهج، ما تنضح به خطابات وقادة الفكر الغربي المتطرف وأقطاب السياسة العالمية، كالخطاب الأخير الذي أدلى به دونالد ترامب حول فرنسا، حين حذر بأسلوب ينضح بالكراهية المفرطة تجاه المسلمين والعرب متحدثاً عن أن فرنسا في طريقها لتصبح دولة إسلامية؛ وهو خطاب لا يمكن قراءته كزلة لسان أو رأي عابر، بل كسُمّ يسري في جسد العالم، ونموذج صارخ لما تعده وتغذيه الشبكات الصهيونية والماسونية العالمية من كراهية وتجييش إعلامي ضد الأمة. إن الهدف الذهبي لهذه الخطابات هو هدم استقرار الشعوب الإسلامية والعربية المتحررة، وشيطنة وجودها، وتمزيق أواصرها حتى لا تنهض يوماً لتكون قوة حقيقية تقف في وجه هيمنتهم وتجعل مشروعهم وبالاً وخيبة عليهم.
​هنا تبدأ المعركة الحقيقية؛ معركة الكراهية التي قد يديرها العدو من وراء الستار، مستفيداً من منصات التواصل الاجتماعي، ومن الخطاب المتعصب، ومن أصوات لا تدرك أنها، بوعي أو من دونه، تسهم في تمزيق الروابط بين الشعوب التي يجمعها التاريخ والجغرافيا والثقافة والمصير المشترك.
​ولا يحتاج العدو دائماً إلى إرسال جنوده كي ينتصر. يكفيه أحياناً أن ينجح في تحويل المواطن العربي إلى خصم للمواطن العربي، وأن يجعل الشعوب تتبادل الاتهامات والشتائم، وتنشغل بمعارك جانبية تستنزف مشاعرها وطاقاتها، بينما تتراجع القضايا الكبرى عن دائرة اهتمامها.
​إن أخطر ما في هذه الحرب أن بعض المشاركين فيها قد لا يكونون عملاء بالمعنى المباشر، ولا يتلقون توجيهات من جهة معادية، لكنهم يتحولون، من حيث لا يشعرون، إلى أدوات في خدمة أهدافها حين يروّجون خطاب الكراهية، ويبررون العدوان على الآخرين، ويجردون الشعوب المنكوبة من حقها في التعاطف والتضامن.
​وقد يكون هؤلاء من بسطاء العقول الذين تدفعهم العاطفة المنفلتة، أو التعصب، أو المعلومات المضللة، أو الرغبة في الانتقام من مواقف سياسية سابقة. وفي جميع الأحوال، فإن النتيجة واحدة: مجتمع عربي يفقد تدريجياً قدرته على التمييز بين الخلاف السياسي والعداء الإنساني، وبين نقد الحكومات والتشفي في الشعوب.
​وحين تتعرض دولة عربية للحرب أو الحصار أو الانهيار، ينبغي ألا يُنظر إلى مأساتها باعتبارها شأناً بعيداً لا يعني الآخرين. فالأوطان العربية، مهما اختلفت أنظمتها وتوجهاتها، تظل شعوبها مرتبطة بوشائج عميقة، وأي تصدع يصيب إحداها قد تكون له انعكاسات تتجاوز حدودها.
​لكن المشهد يصبح أكثر إيلاماً حين تتحول معاناة المدنيين إلى مادة للتندر، ويصبح نزوح الأسر وفقدان الأطفال لأمنهم ومنازلهم موضوعاً للمزايدة، ويُقاس حجم الكرامة الوطنية بقدرة طرف على إذلال طرف آخر. عندها لا تكون الخسارة مقتصرة على الشعب الذي يعيش المأساة، بل تمتد إلى الضمير العربي الذي يفقد قدرته على الشعور بآلام الآخرين.
​والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل عربي على نفسه هو: ماذا سيحدث حين يأتي الدور على شعب آخر؟ هل سيجد من يقف إلى جانبه، أم سيكتشف أن الذين كان ينتظر منهم التضامن قد انشغلوا بالشماتة وتبادل الاتهامات؟ وماذا يبقى من قوة الأمة حين تصبح كل دولة عربية جزيرة معزولة، لا تجد في محيطها إلا من يتمنى تعثرها أو ينتظر سقوطها؟
​إن الأعداء الحقيقيين لا يحتاجون إلى انتزاع التضامن العربي بالقوة إذا استطاعوا القضاء عليه بالكراهية. ولا يحتاجون إلى تفكيك المجتمعات من الخارج إذا نجحوا في دفعها إلى تفكيك نفسها من الداخل. فحين تفقد الشعوب احترامها المتبادل، وتتعامل مع أوجاع بعضها البعض بمنطق التشفي، تصبح أكثر قابلية للانقسام وأقل قدرة على مواجهة الأخطار المشتركة.
​ومع ذلك، فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بتبادل الاتهامات أو تخوين الشعوب، ولا بتعميم المسؤولية على مجتمع بأكمله بسبب مواقف بعض أفراده. فمثل هذا الخطاب يعيد إنتاج المشكلة نفسها، ويمنح الكراهية فرصة جديدة للانتشار. وإنما تبدأ المواجهة بالوعي، والتحقق من المعلومات، ورفض التحريض، والتمييز بين مواقف الحكومات ومصالح الشعوب، وبين الاختلاف السياسي والعداء الذي يستهدف الإنسان في كرامته وأمنه وحياته.
​ليس المطلوب أن تتفق الشعوب العربية في كل شيء، ولا أن تتخلى عن حقها في النقد والمحاسبة، بل أن تدرك أن الاختلاف لا يبرر الشماتة في المآسي، وأن الخصومة السياسية لا ينبغي أن تمحو أبسط معاني التضامن الإنساني.
​إن المعركة الأخطر التي تواجه الأمة العربية اليوم قد لا تكون فقط معركة الحدود والثروات والنفوذ، بل معركة الوعي الذي يحمي الشعوب من الوقوع في فخ العداوة المتبادلة. فالأمة التي تتعلم كيف تختلف دون أن تتباغض، وكيف تنتقد دون أن تشمت، وكيف تتضامن دون أن تتنازل عن استقلال قرارها، تكون أكثر قدرة على حماية نفسها ومستقبل أجيالها.
​إن اليوم الذي يشمت فيه العربي في جراح أخيه هو اليوم الذي يحقق فيه العدو جزءاً من انتصاره دون أن يطلق رصاصة واحدة. أما اليوم الذي يدرك فيه العرب أن كرامة الشعوب لا تتجزأ، وأن سقوط أحدهم لا ينبغي أن يكون مناسبة لفرح الآخرين، فهو اليوم الذي تبدأ فيه هزيمة معركة الكراهية.
​فلا تمنحوا أعداءكم سلاحاً تصنعونه بأيديكم، ولا تجعلوا من ألسنتكم ومنصاتكم جسوراً تعبر فوقها الكراهية بين الشعوب. فالأوطان قد تختلف، والسياسات قد تتعارض، لكن الشعوب التي تفقد إنسانيتها تجاه بعضها البعض تخسر قبل أن تبدأ المعركة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات