الخميس, أكتوبر 8, 2026
الرئيسيةمقالاتالسودان والاكتناز السياسي.. حين تتكاثر الأحزاب ويغيب الوطن

السودان والاكتناز السياسي.. حين تتكاثر الأحزاب ويغيب الوطن

بقلم: د. نجلاء حسين المكابرابي

في السودان، لم تكن أزمة السياسة يوماً في ندرة الأحزاب والقوى والتيارات، وإنما ربما في قدرتها على تحويل هذا التعدد إلى قوة وطنية مشتركة. فكلما اتسعت قائمة التنظيمات والواجهات السياسية، ظل السؤال قائماً: ماذا أضاف هذا التعدد إلى مشروع بناء الدولة؟ وماذا فعلت هذه القوى حين أصبح الوطن نفسه مهدداً في وحدته وأمنه ومستقبله؟

من هنا يمكن طرح مفهوم «الاكتناز السياسي»؛ ليس بمعنى التعددية السياسية التي تمثل حقاً مشروعاً، وإنما بمعنى تراكم الأحزاب والتيارات والمواقف والقيادات، بحيث يصبح لكل مجموعة خطابها وأولوياتها وحساباتها، بينما تتراجع المساحة المشتركة التي يمكن أن يلتقي فيها الجميع حول المصالح العليا للسودان.

والفرق كبير بين التعددية والتشرذم.

التعددية تعني أن تختلف القوى السياسية في البرامج والرؤى ووسائل إدارة الدولة، لكنها تتفق على قواعد اللعبة السياسية وعلى ثوابت الدولة ومصالحها العليا. أما التشرذم فيحوّل الاختلاف إلى خصومة، والتنافس إلى إقصاء، والانتماء الحزبي إلى معيار للحكم على الوطنية.

ولا يحتاج السودان إلى إلغاء الأحزاب أو اختزال المشهد السياسي في كيان واحد. على العكس، فالتعدد السياسي يمكن أن يكون مصدراً للأفكار والحلول والرقابة والتجديد. لكن السؤال هو: كيف نجعل التعددية وسيلة لبناء الدولة، لا وسيلة لتفكيكها؟

الواقع السوداني الراهن يفرض هذا السؤال بقوة. فالمسارات السياسية المتعددة والمبادرات المختلفة تسعى إلى الوصول إلى حل، بينما تؤكد الأمم المتحدة وشركاؤها أهمية مسار سوداني شامل تشارك فيه القوى السياسية والمدنية والمجتمعية المختلفة. كما أن الأمم المتحدة حذرت من أن التشرذم يعقّد فرص وقف القتال والوصول إلى تسوية سياسية.

المطلوب إذن ليس أن تتفق الأحزاب على كل شيء، فهذا غير ممكن ولا صحي. المطلوب أن تتفق على ما لا ينبغي أن يكون محل مساومة: وحدة السودان، سيادته، سلامة أراضيه، حماية المجتمع، إنهاء الحرب، بناء مؤسسات الدولة، وفتح الطريق أمام نظام سياسي يعبّر عن إرادة السودانيين.

يمكن للأحزاب أن تختلف حول شكل الاقتصاد، وحول السياسات الاجتماعية، وحول آليات الحكم والانتخابات والدستور. لكن لا ينبغي أن يتحول الخلاف السياسي إلى خلاف حول وجود الدولة نفسها أو مستقبلها.

وهنا تظهر الحاجة إلى «اللحمة السياسية الوطنية»؛ وهي ليست تحالفاً مؤقتاً بين القيادات، ولا صفقة لتوزيع المناصب، وإنما عقد وطني يجعل مصلحة السودان سقفاً أعلى من مصلحة الحزب والجماعة والزعيم.

لقد أثبتت التجربة أن كثرة الأصوات لا تعني بالضرورة قوة الموقف. فقد تكون هناك عشرات المواقف السياسية، لكنها لا تنتج موقفاً وطنياً واحداً عندما يتعلق الأمر بالقضايا المصيرية.

السودان يحتاج اليوم إلى إعادة تعريف وظيفة الحزب السياسي: الحزب ليس غاية، وإنما وسيلة لخدمة المجتمع والدولة.

ومن هنا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى انتقال من سؤال: من يحكم؟ إلى سؤال أوسع: أي سودان نريد أن نبني؟

فإذا اتفقت القوى السياسية على الإجابة عن السؤال الثاني، يصبح الاختلاف حول السؤال الأول جزءاً طبيعياً من الديمقراطية، وليس سبباً لتفكيك الوطن.

إن السودان يحتاج إلى رؤية وطنية واحدة في القضايا الكبرى.

ولا يحتاج إلى إسكات الاختلاف، بل إلى إدارته.

ولا يحتاج إلى إنهاء التعددية، بل إلى تحريرها من التشرذم.

فالوطن الذي يتسع للجميع، يجب أن تكون مصلحته أيضاً قادرة على جمع الجميع.

وهنا يبدأ الانتقال من الاكتناز السياسي إلى الاستثمار السياسي: أن تتحول كثرة القوى من أرقام متنافسة إلى طاقة وطنية تبني دولة السودان.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات