كتب الدكتور محمد سعيد القدال في كتابه ” معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني ص 184″ يقول ( كان عبد الخالق محجوب قد علق على، المناقشات التي دارت في اللجنة المركزية، فقال إن فهمنا لمدى وضع الرأسمالية المحلية بشقيها الوطني و غير الوطني، يتوقف عليه قيادة الحزب الشيوعي للحركة الثورية. فإذا توصلنا إلي إن البرجوازية المتحالفة مع القوى التقليدية قوية، فإن البلاد ستستمر تحت حكمها لبعض الوقت، اما إذا كانت ضعيفة فسيتم التحول إلي الحكم الوطني في فترة قريبة عن طريق حركة جماهيرية واسعة مؤهلة من كل الجوانب) و كما أشار سعيد في ذات الصفحة معقبا.. إن عبد الخالق كان يشير إلي بعض القيادات في اللجنة المركزية التي كانت تتقرب و تغازل في الوطني الاتحادي..
إن حديث عبد الخالق لا يحصر فقط في حالة وصفية للرأسمالية ” في ضعفها و قوتها” أنما يترتب عليها من مواقف.. لذلك هي إشارة ضمنية لدور الطبقة الوسطى، التي يقوى عودها و تصبح قوى فاعلة و منتجة للاستنارة و المعارف عندما يزدهر الاقتصاد و تتوسع دائرة التنمية في الدولة، لآن الدور الفاعل للرأسمالية و توسع نشاطها و إنتاجها يصب في مصلحة الطبقة الوسطى.. و كلما ضعفت الرأسمالية و تراجع الاقتصاد و التنمية في البلاد، ضعفت الطبقة الوسطى و قل إنتاجها الاستناري في المجتمع الأمر الذي يضعف الوعي السياسي في البلاد.. و هناك يسمح بظهور الشعارات فارغة المضمون و الوعي الزائف الذي يحاول أن يخلقه اليسار في المجتمع.. إن إشارة عبد الخالق ترتبت عليها أفعال حقيقة لإضعاف القوى الرأسمالية.. يتأكد أن عملية التأميم و المصادرة التي قام بها الحزب الشيوعي عام 1970م كان الهدف منها هو إضعاف الرأسمالية، و بالتالي إضعاف دور الطبقة الوسطى المنتج للإستنارة، و الثقافة الديمقراطية في البلاد، و من تلك الفترة تراجع دور الطبقة الوسطى..
إن مقولة عبد الخالق لها إرث تاريخي في الصراع مع أحزاب الطبقة الوسطى.. في قوله إن ضعف و قوة الأحزاب يرجع للرأسمالية. الرأسمالية ليست حزب، و لكن تصاعد دورها في المجتمع يكمن في بروز دور الطبقة الوسطى التي تتخلق في رحم الرأسمالية.. فيقول أحمد سليمان في كتابه ” مشيناها خطى ص 219″ ( فقد تملك الغرور الشيوعيين، و غرهم اتساع نفوذهم الشعبي في المدن و خاصة في العاصمة و عطبرة و ظنوا أنهم قادرون على انتزاع قيادة الحركة الشعبية من الأحزاب التقليدية، و بدأوا يسرفون في نقد قادة الأحزاب الاتحادية و يبالغون في تصوير مظاهر التناقضات الثانوية و تكبير حجمها داخل المعسكر الوطني بالدرجة التي جعلوها تطغى على الصراع الرئيسي ضد الاستعمار و مؤسساته) الأمر الذي يؤكد أن مسألتي ” المصادرة و التأميم في 1970″ وراءها عبد الخالق محجوب شخصيا بهدف إضعاف الرأسمالية الوطنية و من ثم إجهاض دور الطبقة الوسطى السياسي، لكي يسمح لتمدد الحزب الشيوعي في المجتمع دون القوي السياسية الآخرى…
إن عملية التأميم التي حصلت في 1970م بالفعل قد أضعفت الاقتصاد في البلاد، و سحب الاستثمار الخارجي رصيده من البنوك السودانية، و بدأت دورة ضعف الجنيه السوداني مقابل العملات الأخرى، و تراجع دور الصناعة بسبب عدم وجود عملة صعبة لاستيراد قطع الغيار.. أثر تلقائيا في الخدمات ” الصحة – التعليم – الطاقة و غيرها” في البلاد، و أدت إلي ارتفاع اسعار السلع، حتى جاءت عمليات النزوح من الاقاليم المنتجة إلي اطراف المدن. ضعف دور الطبقة الوسطى، تماما و قل رصيدها الديمقراطي و إنتاجها الاستناري في البلاد، اعتمدت الأحزاب و أولها الحزب الشيوعي على الشعارات بديلا للإنتاج الفكري و المعرفي.. و تحول الصراع على السلطة من صراع سياسي يزيد الوعي عند الجماهير، إلي صراع مسلحة بين النظام المايوي و “الجبهة الوطنية” التي كانت مكونة من ” الاتحادي و الأمة و الحركة الإسلامية” الأمر الذي أضعف الطبقة الوسطى و أثر في كل الأحزاب و أصابها الوهن..
مصالحة بورسودان في 1977م بين ” نظام مايو و الجبهة الوطنية” كان المستفيد الحركة الإسلامية، لأنها قرأت التحولات التي حدثت في المجتمع، و اسباب ضعف القوى السياسية، و لذلك اتجهت دون الآخرين إلي تأسيس بنوك و بيوتات مالية و أصبحت هي وحدها القادرة على استقطاب الطبقة الوسطى الجديدة.. و تحولت من حزب للصفوة إلي حزب يمد جذوره في القاعدة الشعبية.. و ظهرت نتيجة التحول في المعادلة السياسية في انتخابات 1986م، و هي التي قادت الجبهة للانقلاب على الديمقراطية، و محاولة تنفيذ مشروعها عبر مؤسسات الدولة، لذلك جاءت بفكرة وزارة “التخطيط الاجتماعي” بهدف أضعاف القوى الرأسمالية التي لها ولاءات أخرى و استبدالها بقوى رأسمالية جديدةتابعة للتنظيم لكي تتحكم فيها.. لكن مشكلتها لم تع أن الطبقة الوسطى تنمو و تتطور أفكارها من خلال حواراتها مع الأفكار الأخرى.. و حالة الإغلاق فجرت الصراع داخل المنظومة الحاكمة و حدثت المفاصلة 1999م.. هذه المفاصلة أدت لفشل المشروع، و أًصبحت القوى القابضة على مفاصل الدولة هدفها كله انحصر في كيفية الحفاظ على السلطة، و أصبحت القيادات تريد أن تحافظ فقط على مكاسبها الذاتية تحت شعار ” حركة إسلامية” لا تملك أية مشروع سياسي، و أصبح المسألة كلها معلقة في ” شعار إسلامي فوقي” ليس له علاقة بالممارسات داخل النظام و المصالح الشخصية.. منذ المفاصلة 1999م كانت الحركة الإسلامية في السلطة شغالة بأحداث اليوم.
عندما حدثت المفاصلة داخل نظام الحركة الإسلامية، سارعت المجموعة في السلطة أن تحمي مصالحها و النظام باستيعاب قيادات من الأحزاب الأخرى، خاصة الاتحاديين و حزب الأمة القومي و الحركات المسلحة، بهدف توسيع دائرة المشاركة و اتساع رقعة المصالح، التي تؤمن للنظام فترة من البقاء.. دخول البترول كداعم أقتصادي بدأ يعزز قاعدة الطبقة الوسطى، هذه هي التي أدت إلي مساحة جديدة من الحرية أدت ألي ظهور العديد من الصحف، الأمر الذي بدأ يخلق وعيا جديدا في البلاد.. تظل المشكلة الآن هي مشكلة الطبقة الوسطى التي لم تستطيع أن تعيد دورها بالصورة التي تقدم مشروعا سياسيا جديدا تتلاقى عنده القوى السياسية، و هذه لا يمكن أن تعود إلا بمساومة سياسية تقرب بين القوى القادرة على إنتاج الفكر في الساحة السياسية.. و هناك فارقا كبيرا بين الشعارات التي لن تخلق وعيا و بين الأفكار التي تحدث تغييرا في الوعي، و تعزز دور القوى الفاعلة في المجتمع.. السؤال الذي يجب الإجابة عليه.. هل يجب الانتظار لنهوض الاقتصاد و خلق قوى رأسمالية لكي تعيد للطبقة الوسطى دورها التنويري، أم يمكن تجاوز المرحلة بالمتوفر من القدرات التنويرية في المجتمع.. نسأل الله حسن البصيرة..
