أصدر السيد وزير الزراعة السوداني قراراً بمنع استيراد الفول المصري من أي دولة.
انتهى القرار!
لكن السؤال: ثم ماذا بعد؟ وما الهدف من هذا القرار؟ وهل إصدار مثل هذه القرارات من اختصاص وزارة الزراعة أصلاً؟
حاولت أن أجد تفسيراً أو توضيحاً لهذا القرار، لكنني لم أجد مبرراً مقنعاً، خاصة فيما يتعلق بالجهة التي أصدرته.
وحسب علمي البسيط، وبعد أن تناولت فنجان القهوة حتى أركز قليلاً في معرفة الجهات المختصة بملف الاستيراد والتصدير في حكومة الأمل برئاسة الدكتور كامل إدريس، توصلت إلى أن وزارة التجارة الخارجية هي صاحبة الاختصاص في هذا الملف، وهذا أمر طبيعي.
وبحثي عن الجهة المختصة لم يكن سببه الجهل بالمؤسسات، وإنما نتيجة تضارب القرارات وتداخل الاختصاصات وأماكن صدورها في هذه الحكومة التي يبدو أحياناً أنها تعمل في وادٍ، وشعبها في وادٍ آخر.
فمثلاً، زار وزير الثروة الحيوانية ولاية نهر النيل، وقال إنه يريد تطوير تربية التماسيح والعقارب!
ونحن بقينا نشتهي اللحمة والدواجن التي كانت أرخص من اللحمة… ولا شنو يا وديع؟
نعود إلى قرار منع استيراد الفول المصري، ونسأل السيد وزير الزراعة الاتحادي الموقر:
هل يعلم معالي الوزير أن الفول وجبة أساسية لأكثر من 90% من الشعب السوداني؟
وما هي الوجبة البديلة لهذا الفول الذي قررتم منعه من صينية الفطور والعشاء؟
نعم،فطور وعشاء لأن الوجبات عند السودانيين أصبحت وجبتين عند اللزوم؛ صباحاً ومساءً، ونقفل على كدا ونتمها موية!
هل يعلم السيد الوزير أن البلاد لا تملك، بحسب ما هو متداول، مخزوناً كافياً من الفول يغطي الفترة المقبلة إلى حين اكتمال إنتاج الموسم القادم، في ظل شح الأمطار، وانحسار المياه في مجرى النيل، وتذبذب التيار الكهربائي الذي تسبب في تلف مساحات زراعية واسعة؟
وهل يعلم معاليه أن مثل هذه القرارات، عندما تصدر دون توفير البدائل، تكون نتيجتها المباشرة على المواطن؟
فقد وصل سعر جوال الفول المصري إلى أكثر من مليون وثلاثمائة ألف جنيه سوداني، ولسه حيطلع… وربما يصل إلى المليونين!
وبالطبع، لن يتوقف الأمر عند سعر الجوال؛ فالمواطن هو الذي سيدفع الثمن في النهاية. طلب الفول الذي كان بثمانية آلاف جنيه قد يصل إلى عشرين ألفاً، ومعه عشتان أصغر من كف اليد!
ختاماً، نتمنى من معالي وزير الزراعة والسيد رئيس الوزراء الموقر أن ينظروا بعين الاعتبار إلى حال المواطن، وأن يسعوا إلى تخفيف الضغوط المعيشية المتزايدة عليه، لا أن يضيفوا إليها قرارات جديدة دون توفير البدائل.
كما نتمنى أن تُعطى كل مؤسسة مساحتها واختصاصاتها فيما أُوكل إليها؛ فالمؤسسات والوزارات ليست وزراء فقط، وإنما هي إدارات وخبرات فنية واقتصادية متراكمة، تعرف كيف ومتى ولماذا وأين تصدر القرارات.
فالقرار الذي يمس قوت الناس ومعاشهم لا ينبغي أن يكون مجرد قرار إداري، وإنما يجب أن يُبنى على دراسة دقيقة للسوق، وحجم المخزون، والإنتاج المحلي، والبدائل المتاحة، وقدرة المواطن على تحمّل تبعاته.
