بالرغم من عودة أعداد كبيرة من أهلنا إلى أرض الوطن، إلا أن المشهد ما زال مثقلًا بالمعاناة؛ غلاء فاحش، وضع اقتصادي صعب، وبيوت كثيرة لم تعد كما كانت، وأسر ما زالت تعيش آثار حرب لم تتوقف عن ترك ندوبها في كل مكان.
جلست كثيرًا مع نفسي، ودار شريط الذاكرة إلى ما قبل الحرب…
تذكرت كيف كان الناس يعيشون، وكيف كانت لديهم أحلام بسيطة، لكنها كبيرة في معناها.
سألت عددًا من الأهل والأصدقاء والأقارب والمعارف عن حياتهم قبل الحرب، فوجدت أن كل واحد منهم كان قد بدأ يرسم طريقًا جديدًا لحياته.
واحد بدأ مشروع عمره، وآخر بدأ يؤسس لبيت وحياة مختلفة، وثالث كان يستعد لزواجه في العيد، وآخر وضع كل مدخراته في تجارة وبضاعة، وهناك من جاء إلى السودان لقضاء الإجازة والعيد بين أهله وأسرته.
كان الجميع يخطط للغد…
ثم قامت الحرب.
في البداية قلنا:
ستستمر أيامًا وتنتهي.
ومرت الأيام…
ثم الشهور…
ثم السنوات.
وخلال هذه السنوات، فقدنا كل شيء تقريبًا.
فقدنا أهلًا وأحبابًا؛ منهم من ذهب إلى رحمة الله، ومنهم من نزح، ومنهم من لجأ إلى دول أخرى، ومنهم من اختفى ولا نعرف حتى اليوم أين انتهى به المطاف.
فقدنا الأموال، والمنازل، والمحال، والمزارع، والمحاصيل، وضاعت سنوات طويلة من التعب والكفاح.
وفقدنا شيئًا ربما لا يمكن تعويضه…
فقدنا اللمة.
البيت الذي كان يجمع الأسرة الواحدة أصبح فارغًا، وأفراد الأسرة أصبحوا موزعين بين مدن ودول مختلفة.
أب هنا، وأم هناك، وأبناء في بلد آخر، وإخوة لا يعرفون متى سيلتقون مرة أخرى.
والحرب لم تقتل الناس فقط، بل مزقت علاقات وأسرًا، وأوجدت مشاكل لم تكن موجودة من قبل، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى الانفصال والطلاق.
تركنا ديارنا، وتركنا خلفنا ذكريات عمر كامل.
أما كبارنا، الذين كان من حقهم أن يقضوا بقية حياتهم بين أبنائهم وأحفادهم، فقد وجدوا أنفسهم في جحيم النزوح والتشريد.
نعم، كلنا فقدنا كبارنا.
منهم من مات بعيدًا عن بيته، ومنهم من رحل وهو يحمل حسرة وطن لم يستطع العودة إليه.
ماتوا كالزرع الذي اقتُلع من مكانه…
لا لأن الأرض لم تعد صالحة لهم، وإنما لأن الحرب اقتلعتهم من جذورهم.
كل يوم يمر على الشعب السوداني يزداد فيه طعم الحنظل والمرارة والألم.
قصص لن تُنسى.
هذا يقول: قتلوا خالي وأخي.
وذاك يقول: اغتصبوا ابنة فلان.
وآخر يقول: نهبوا أموالنا ومحاصيلنا.
وهناك من يقول: مات مريض الكلى لأنه لم يجد العلاج.
وهناك مريض بمرض مزمن لم يجد الدواء.
وهناك طفل فقد والده.
وأم فقدت ابنها.
وزوجة فقدت زوجها.
وأسرة لا تعرف حتى الآن مصير أحد أفرادها:
هل هو من الموتى أم من المفقودين؟
آلاف القصص، وآلاف الوجوه، وآلاف الأحلام التي توقفت فجأة.
والأصعب من ذلك أن هناك أجيالًا كاملة تدفع ثمن هذه الحرب.
أطفال انقطعت عنهم الدراسة، وشباب تعطلت أحلامهم، وأسر فقدت مصادر رزقها، وأناس بدأوا حياتهم من الصفر في بلاد لم يختاروها.
وما زالت الحرب مستمرة.
وما زال المستقبل بالنسبة للكثيرين مجهولًا.
شعب نازح ولاجئ، وأسر موزعة بين عدة دول، وبيوت تنتظر أصحابها، وأرض تنتظر من يزرعها، وذكريات تنتظر من يعيد إليها الحياة.
لقد فقدنا طعم الأفراح.
فقدنا طعم الأعياد.
فقدنا طعم اللمة.
بل فقدنا في كثير من الأحيان الإحساس الطبيعي بالحياة.
حتى الفرح أصبح ناقصًا، وحتى العودة أصبحت مليئة بالأسئلة.
هل سنجد بيوتنا؟
هل سنجد أعمالنا؟
هل سنجد أهلنا؟
هل سنستطيع أن نبدأ من جديد؟
وهل ما زال لدينا ما يكفي من العمر والقوة لنبدأ؟
متى تنتهي الحرب في السودان؟
هذا السؤال لم يعد سؤالًا سياسيًا بالنسبة للمواطن السوداني البسيط.
إنه سؤال أم تنتظر ابنها.
وسؤال أب يبحث عن أسرته.
وسؤال زوج ينتظر زوجته.
وسؤال طفل يريد أن يعود إلى مدرسته.
وسؤال شاب يريد أن يبدأ حياته.
وسؤال مزارع يريد أن يعود إلى أرضه.
وسؤال تاجر يريد أن يعيد بناء ما خسره.
نحن لا نريد الكثير…
نريد أن نعيش فقط.
نريد أن تعود البيوت عامرة بأهلها.
نريد أن تعود الأسر مجتمعة.
نريد أن يعود الأطفال إلى مدارسهم.
نريد أن تعود الأسواق والعمل والإنتاج.
نريد أن يستطيع السوداني أن يخطط للغد دون أن يخاف من المجهول.
الحرب أخذت منا الكثير، وربما لن نستطيع استعادة كل ما فقدناه.
لكننا نريد أن يأتي اليوم الذي يتوقف فيه صوت الرصاص، ويبدأ السودان رحلة طويلة لاستعادة ما يمكن استعادته، ولملمة ما تبقى من حياة شعب أنهكته الحرب.
السودان ليس مجرد أرض نعود إليها.
السودان هو البيت…
هو الأم والأب…
هو الأخ والأخت…
هو الجار والصديق…
هو العيد واللمة…
هو رائحة الأرض…
هو الذكريات…
هو الأمان.
ولهذا، فإن عودة الناس إلى السودان لا تعني فقط عودتهم إلى الأرض، بل تعني حاجتهم إلى أن يجدوا وطنًا يستطيعون فيه أن يعيشوا من جديد.
نسأل الله أن تنتهي هذه الحرب، وأن يرحم من فقدناهم، وأن يرد المفقودين، وأن يجبر كسر النازحين واللاجئين، وأن يجمع الأسر التي فرقتها الحرب، وأن يعوض كل سوداني فقد بيته أو ماله أو عزيزًا من أهله.
اللهم أعد للسودان أمنه وسلامه، ولأهله طمأنينتهم وحياتهم التي فقدوها.
فقد تعبنا… وتعب السودان.
