حين يُسأل المغترب: هل ستعود؟ لا يبحث عن إجابة في دفاتر الحسابات، ولا في جداول الأرباح والخسائر، بل يفتش عنها في أعماق قلبه، حيث الوطن يسكن قبل أن يُسكن، ويقيم قبل أن يُقام.
سألني سائل ذات يوم: أحقاً سترجع؟
فقلت له: نعم… سأرجع.
وسأرجع لأن هناك الدنيا أوسع، لا بسعة الطرقات فحسب، بل بسعة الصدور. وسأرجع لأن اللقمة أنفع، لا لأنها أكثر، بل لأنها أبرك. وسأرجع لأن القدر أرفع، ولأن لحظات العمر هناك أمتع، ولأن الحب يجمع ولا يفرّق، ويصل ولا يمزّق.
سأرجع إلى وطنٍ إذا نادى المؤذن للصلاة، هرعت القلوب قبل الأقدام، فلا يُغلق مسجد في وجه راكع، ولا يُمنع عابد من سجدة أو دعاء. وطنٍ ما زالت فيه الروح أكبر من المادة، والقيمة أغلى من الثمن.
سأرجع إلى السودان، حيث الناس يحبونك لوجهك لا لجيبك، ويعرفون معدنك لا مظهرك، ويحتفون بإنسانيتك ولو كنت ترتدي ثوباً مرقعاً. هناك لا يُوزن المرء بما يملك، بل بما يحمل من أخلاق ووفاء.
وسأرجع لأن الخير هناك مُجدَّعٌ في الطرقات، ولأن الكرم عادة لا عبادة موسمية، ولأن العطاء غريزة تسري في النفوس كما يسري النيل في الأرض. ذلك النيل الذي لا يمنح الماء فقط، بل يمنح الحكاية والهوية والانتماء.
سأرجع حيث الخال سندٌ إذا مال الزمان، وحيث الجدة دعوةٌ إذا ضاقت الأيام. هناك الحنان عنوان، وصلة الرحم أمان، والبيوت وإن كانت بسيطة، فهي قصور بالمحبة والإيمان.
وسأرجع إلى صوت جرس المدارس وهو يقرع صباحاً، فيوقظ الأحلام قبل الطلاب، ويعلن ميلاد يوم جديد من المعرفة والنور. ذلك الجرس ليس صوتاً من معدن، بل نشيد وطنٍ يؤمن أن التعليم هو الطريق الأقصر إلى المجد.
وسأرجع إلى بائع الخضار الذي يدفع عربته المتواضعة في الطرقات، لكنه يحمل قلباً أكبر من الأسواق. يوزع رزقه على الأرامل والمحتاجين، ويزرع البسمة قبل أن يبيع الثمرة. فهناك ما زالت الرحمة تسير على قدمين، وما زال المعروف يُصنع في صمت.
سأرجع لأن السودان ليس مجرد مكانٍ على الخريطة، بل حالة عشقٍ لا تنتهي، وذاكرة لا تشيخ، وقصيدة لا تملها الأرواح. هو الوطن الذي إذا ابتعدت عنه الجغرافيا، اقترب منك التاريخ، وإذا غابت صورته عن العين، بقيت ملامحه محفورة في القلب.
وكيف لا أرجع؟
وهل يقنع الرضيع بفراق أمه؟
وهل ينسى الطائر عشه مهما ابتعد؟
وهل يستطيع النيل أن ينسى منبعه؟
إنها أسئلة لا تنتظر جواباً، لأن الإجابة تسكن فيها.
نعم… سأرجع.
سأرجع لأن الوطن ليس فندقاً نغادره متى شئنا، بل حضنٌ نشتاق إليه كلما قست علينا المنافي. سأرجع لأن السودان يسكن في تفاصيلنا الصغيرة؛ في لهجتنا، وضحكاتنا، وأغانينا، وذكريات طفولتنا، وفي كل نبضة قلبٍ ما زالت تهتف باسمه.
سأرجع إلى السودان الذي علّمنا أن الصبر مفتاح، وأن الكرم مِفتاح القلوب، وأن الرجال مواقف لا مناصب، وأن المحبة لغة يفهمها الجميع.
فاسمعها جيداً أيها السائل، وبلّغها لكل سامع:
نعم… سأرجع.
سأرجع لأن بيني وبين السودان عهداً لا ينقضي، ووداً لا يفنى، وحباً لا يشيخ.
وسيبقى السودان، رغم الجراح والرياح، وطنَ الأرواح، ومرفأ الأفراح، وأرضَ الكفاح والنجاح.
وسيظل النداء في القلب يتردد:
راجع… راجع… راجع.
فالوطن إذا سكن الروح، لا تغادره الروح أبداً. Adam0128855131@gmail. Com
