!
تخيل معي هذا المشهد الدرامي المفجوع: على بعد كيلومترات قليلة من جبهات القتال، حيث يُعمّد تراب “الفشقة” بدماء أبناء الجيش والمقاومة، وتلتهب الحدود الشرقية على وقع المعارك والنزاعات الإقليمية بين التغراي وحكومة أبي أحمد.. كان هناك، في الظل، من يجلس في نشوة هادئة، حول “حفلة شواء” رغيدة، لا ليحتفي بالنصر، بل ليقسم «الكعكة» ويُعادل كفاف النفوذ!
لم تكن جلسة صلح أهلي كما زعموا، بل كانت صفقة مصالح مكشوفة طويت بها خلافات الأراضي الزراعية بين “ود الشواك” والوالي الأسبق كرم الله عباس. عاد الأخير من “البيت الأبيض” بالفشقة حاملاً رسائل السيطرة، فما كاد دخان الشواء ينجلي حتى كانت «لجان المقاومة الشعبية» في المحليات تُعاد هيكلتها بالكامل، لتُفرض الرؤية الجديدة ويتربع كرم الله على رأس لجنة الإسناد. يا للهول.. حتى سلاح الشعب وإسناده صارا جزءاً من صفقات الموائد المغلقة!
ولأن النفوذ في عرف “الآباطرة” لا يكتمل إلا بمكسبات الطعم المالية، فقد جاءت الفاتورة سريعة وسخية: تسليم مشروع “شارع الستين” لشركة أخو كرم الله.. أما بقية الكواليس فتفوح منها رائحة النسب والمصاهرة الحاكمة؛ شركة يملكها شقيق قيادي في المؤتمر الوطني وعضو المجلس التشريعي (الذي هو صهر مدير هيئة الطرق والجسور)، وشركة أخرى لرئيس المجلس التشريعي الأسبق محمد الطيب البشير (“عديل” الوالي)، وثالثة لرجل الأعمال وجدي ميرغني توكل إليها صيانة طريق “بيت الوالي” بالتزامن مع تشييد مصنعه الخاص!
إنها شبكة أخطبوطية تُدار بشعار: “شيلني وأشيلك”.. ولكن الشرق الذي لم يبتلع الصفقة بعد، يقف اليوم مشلولاً عند غنيمة «برج الذهب»!
هنا فقط توقفت العجلة؛ لا لإعلاء قيمة الشفافية، بل لأن كلا الطرفين يريد اليد الطولى في التنفيذ. رئيس المجلس التشريعي الأسبق يصر على منح المشروع لهيئة الطرق والجسور (التي لا تملك سوى دعم الوالي)، بينما تقاتل مالية الولاية ببالغ الحرص لأنها الجهة الممولة وصاحبة الاختصاص، في حين تقف البلدية موقف المخجول، وتكتفي وزارة البنى التحتية بقبول دور “المتفرج” الفني!
المواطن في القضارف هو من يدفع الثمن؛ مخنوق بين أربعة أبواب مغلقة!
منذ بداية الخريف وحتى هذه اللحظة، جرى إغلاق الشرايين الحيوية لوسط السوق وتسويرها بـ “البراميل” الصدئة. طرق رئيسية تؤدي إلى مستشفى الشرطة، ومستشفى القضارف العام، والمستشفيات الخاصة، وبنك السودان، والوزارات الخدمية.. كلها مفروض عليها حظر عملي، وحركتها مجمدة بأمر البلدية، ليس لدواعٍ أمنية، بل ليبقى الحال على ما هو عليه حتى يتفق “أباطرة الصفقات” على كيفية صب خرسانات “برج الذهب”!
رسالة صريحة ومباشرة إلى هؤلاء الآباطرة ومن يقف معهم:
لن نسكت على هذا الاعوجاج، ولن نطأطئ الرأس أمام هذا الفساد الفاضح الذي أزكمت رائحته الأنوف. تظنون أنكم بصفقات الموائد وحفلات الشواء تستطيعون مصادرة الولاية وتقسيم غنائمها في العتمة؟ واهمون.. وإن الباطل مهما انتفخ وزخرفتموه بالمحاصصات، فهو زهوق لا محالة، ولو كره المرجفون والمنتفعون.
أما المراهنة على صمتنا أو تدجين قلمنا، فدونها الخرط القتاد.. “أنا زي الضل.. كان تقدر تقطع الضل، تقدر تقطع صوتنا!” نلاحقكم بالكلمة، ونكشف المستور، ونعرّي هذه الصفقات شارعاً شارعاً، وبرجاً برجاً.
آخِرُ الكَلاَمِ:
إلى متى تبقى القضارف وهي ثغر السودان الاستراتيجي وسلته الغذائية- مرهونة لموائد الشواء وصفقات المصاهرة والمحاصصة؟ إن إغلاق طرق المدينة بالبراميل ليس سوى انعكاس صارخ لإغلاق العقول والضمائر؛ فبينما يُقاد الوطن نحو الحافة، يُنشغل “الآباطرة” بتقاسم الغنائم على جثامين أحلام هذا الشعب.
افتحوا الشوارع المَخْنُوقَة، وأريقوا دخان الصفقات المشبوهة.. أو فانتظروا طوفان الرأي العام؛ فالشارع الذي أغلقتموه ببراميل العجز، قادرٌ على أن يفتح أبواب المحاسبة ويقتلع أوهام السيطرة!
ولسّة.. باقي الكلام بجيب الكلام، والملفات المفتوحة لن تُغلق بحفلة شواء أخرى..
ولنا عودة..
