الجمعة, سبتمبر 25, 2026
الرئيسيةمقالاتارفعوا أقلامكم.. أستاذ الأجيال ينام على الحصير!بقلم/ حمد يوسف حمد

ارفعوا أقلامكم.. أستاذ الأجيال ينام على الحصير!بقلم/ حمد يوسف حمد


ليس هناك ما هو أكثر إيلاماً للروح من أن ترى الدولة وهي تُمارس “الإعدام البطيء” لرموزها التربوية، ولا أشد قسوة على النفس من أن يكتشف المعلم بعد نصف قرن من بذل الروح والشباب أن الوطن الذي شَيَّد عقول أبنائه قد ترك عقود عمره تذروها الرياح في العراء!
قصة الأستاذ بابكر الحاج رحمة ليست حكاية عابرة تُقرأ في عجالة ثم يُطوى معها المقال، بل هي زلزال يستوجب أن يهتز له الضمير الجمعي، وتُدق لأجله ناقوس الخطر في أروقة السلطة بولاية النيل الأبيض.
خمسون عاماً بالتمام والكمال، والأستاذ بابكر يقف أمام السبورة، يحترق كالشمعة ليضيء للآخرين، يُخرّج الأطباء والمهندسين والضباط والتنفيذيين الذين يعتلون اليوم المكاتب المكيفة ويتحكمون في مصائر الناس.. خمسون عاماً من الغبار والطبشير وعزة النفس، انتهت بمهزلة لا تُغتفر: معاش شهري قدره (50 ألف جنيه سوداني)!
ما الذي تفعله الـ 50 ألف جنيه اليوم؟ هل تشتري دواء لسِنه المتقدمة؟ أم تسد رمق أسرته ليومين؟ أم يُفترض به أن يصنع بها معجزة معيشية في زمن الانهيار؟
لكنّ الفاجعة لم تتوقف عند حدود هذا الرقم المالي المستفز؛ بل امتدت لتغرس أنيابها في كرامة الرجل وسكنه. الأستاذ بابكر وقامة بقامته التربوية يعيش اليوم هو وأسرته داخل “كرنك من الحصير”، مُقام على قطعة أرض خالية ليست ملكاً له، مهدد بالطرود في أي لحظة، بلا عمل، وبلا مأوى يستر تاريخه، وبلا سقف يقي جسده المنهك من قسوة الأيام!
أيُّ هوان هذا الذي وصلنا إليه؟ وأيُّ عقوقٍ هذا الذي تُقابِل به الولايةُ معلّميها؟
كيف يطيبُ لمسؤولٍ في حكومة ولاية النيل الأبيض، وعلى رأسهم السيد الوالي، أن ينام ملء جفنيه وهو يعلم أن رجلاً أطعم عقول آلاف الأبناء بالمعرفة لا يجد اليوم ما يطعم به أسرته؟ كيف نقبل أن يتحول “بانِي الأجيال” إلى مأساة إنسانية تسير على قدمين، يسكن الحصير ويقتات على الصبر؟
إن المعلم ليس موظفاً تقاعد ليُرمى في سلة المهملات الإدارية، بل هو هيبة الدولة ورمزيتها الأخلاقية. وحين يُهان الأستاذ بابكر، فإن الرسالة السلبية التي تصل للجميع هي: “أن التعليم في هذا البلد جريمة يُعاقَب عليها صاحبها بالفقر والتشرد!”

آخر الكلام:
يا سيادة والي النيل الأبيض.. لا تُقاس هيبة الحكومات بفخامة المكاتب ولا ببروتوكولات المواكب، بل بالقدر الذي تُصان به كرامة الشيوخ والمعلمين. إن الأستاذ بابكر الحاج رحمة ليس مجرد حالة إنسانية تستدر العطف، بل هو استحقاقٌ أخلاقيٌّ واجب التنفيذ؛ بقطعة أرضٍ تُسجل باسمه، وسكنٍ يستر شيبته، وراتبٍ يحفظ كبرياءه.
إن لم تتحرك سلطتكم اليوم قبل الغد لإنقاذ هذا المربي العظيم من “سجن الحصير” بعد خمسين عاماً من عطاء الطبشير، فلا تتحدثوا غداً عن قيمة التعليم، ولا تطلبوا من الأجيال القادمة أن تحترم وطناً يترك معلميه في العراء!

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات