الإعلام السوداني.. عتابٌ مشروع وحوارٌ يتسع للجميع
أظن .. وأن بعضه إثم ..أنه ليس كل من لم يُدعَ إلى الحوار قد أُقصي، وليس كل من دُعي إليه مُنح صكاً بالأحقية. وبين الأمرين مساحة اسمها مصلحة الوطن.
فقد ضجّت الأسافير بعتاب بعض الإعلاميين لعدم دعوتهم إلى الحوار السوداني–السوداني، معتبرين أنهم أحق بالحضور، لأنهم ظلوا في الداخل، ووقفوا إلى جانب القوات المسلحة، وواصلوا أداء رسالتهم في أصعب الظروف.
وللحق، فإن هذا العتاب ليس بلا وجاهة. فمن حق من حمل همّ وطنه أن يتطلع إلى المشاركة في كتابة فصله الجديد.
لكن علينا ألا نحول حق العتاب إلى حق حصري في المشاركة. فالحوار الوطني ليس تكريماً ولا مكافأة، ولكنه وسيلة للبحث عن مخرج لبلد أنهكته الحرب، ويحتاج إلى عقول وتجارب وأصوات متعددة.
إن المشاركة في مثل هذه اللقاءات أقرب إلى فرض الكفاية منها إلى فرض العين؛ فإذا قام بها بعض أبناء المهنة، ممن يمثلون قطاعاتها واتجاهاتها، سقط الحرج عن الآخرين. وليس منطقياً دعوة كل إعلامي إلى كل لقاء، لكن المهم ألا يغيب الإعلام بوصفه سلطة مجتمعية ومهنية.
فالإعلام شريك في صناعة الوعي، وحارس لذاكرة المجتمع، وجسر بين الدولة والمواطن. وفي بلد خرج من حرب بهذا الحجم، يصبح جزءاً من التعافي الوطني وإعادة بناء الثقة.
لكن حضوره ينبغي ألا يكون حضور أشخاص وكفى ، إنما حضور رسالة ومهنية ورؤية. لذا علينا الانتقال من سؤال: لماذا لم تتم دعوتي؟ إلى سؤال: كيف نجعل الإعلام كله حاضراً في صناعة السودان الذي نريده؟
فالمعركة الحقيقية هي إعادة بناء الدولة، واستعادة المؤسسات، وترميم الاقتصاد، وإعادة النازحين، وإعمار ما دمرته الحرب، وبناء خطاب وطني ناضج. وفي كل ذلك سيكون الإعلام في قلب المشهد.
وعلى من لم تشملهم الدعوة ألا ينظروا إلى الأمر باعتباره نهاية الطريق. إنها البداية. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى لقاءات وورش ومنتديات مهنية تجمع الإعلاميين من مختلف الأجيال والتجارب.
وقد تكون الفرصة سانحة لإطلاق حوار إعلامي سوداني–سوداني يناقش مستقبل المهنة، وأخلاقيات التغطية، ودور الإعلام في السلام والإعمار، وتحديات المؤسسات والتحول الرقمي.
وعندها لن يكون السؤال: من دُعي ومن لم يُدعَ؟ بل: ماذا قدمنا جميعاً للسودان؟
لقد أثبتت الحرب أن إعلاميين دفعوا ثمناً لمواقفهم، وظل بعضهم في الميدان، وواصل آخرون رسالتهم من الخارج. ولكل فريق تجربته التي تستحق الاحترام.
فالوطن أكبر من قائمة مدعوين، وأوسع من منصة واحدة، وأبقى من أن تجعل خلافاتنا حول المقاعد سبباً لخلاف جديد.
نعم، من حق الإعلاميين العتاب والسؤال عن معايير الاختيار والمطالبة بتمثيل أوسع. لكن الأجمل أن يتحول العتاب إلى اقتراح، والاعتراض إلى مبادرة، والرغبة في المشاركة إلى عمل.
فالسودان يحتاج إلى إعلاميين يتسابقون على بناء الوعي، وحماية الحقيقة، وتضميد جراح المجتمع، وإعادة تعريف الوطن في وجدان أجياله الجديدة.
ولعل هذا الحماس للمشاركة علامة صحة؛ فالاختلاف حول كيفية المساهمة في البناء يمكن أن يكون محموداً ما دام تحت سقف الوطن.
لذلك، دعونا لا نفسد البداية بالخلاف حول من جلس إلى الطاولة، بل نسأل: ماذا ستنتج؟ وإلى أين ستقود؟ ومن سيأتي بعدها؟.فاللقاء الأول ليس خاتمة الحوار، إنما فتحٌ لبابه.
لقد آن لنا أن نغادر ثقافة: “لماذا لم أكن أنا؟”، إلى ثقافة: “ماذا أستطيع أن أقدم؟”.
فلا ينبغي أن يكون طموحنا أن نكون على الصورة، ولكن أن نكون جزءاً من صناعة الصورة الجديدة لوطن نريده ناهضاً، قوياً، متماسكاً، يتسع لكل أبنائه.
الإعلام السوداني.. عتابٌ مشروع وحوارٌ يتسع للجميع
مقالات ذات صلة
