إسماعيل شريف
ليست قيمة إحاطة محمد شاندِه عثمان، رئيس بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، في كونها أضافت اتهامات جديدة إلى سجل الحرب، وإنما في توقيت الإحاطة وطبيعة الرسائل التي تحملها.
جاءت الإحاطة في السابع من سبتمبر، قبل افتتاح الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وقبل النقاش العام رفيع المستوى في 22 سبتمبر، وبالتزامن مع اقتراب استحقاق مجلس الأمن في 12 سبتمبر بشأن نظام العقوبات الخاص بالسودان وحظر السلاح المفروض على دارفور. لذلك فإن التعامل معها كتقرير حقوقي آخر يختزل دلالتها. نحن أمام ثلاثة مسارات تتقاطع في لحظة واحدة: توثيق الانتهاكات، ضبط مصادر السلاح، وإعادة تعريف المسؤولية عن استمرار الحرب.
تقول البعثة إن لديها أسباباً معقولة للاعتقاد بأن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ارتكبتا انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان قد ترقى إلى جرائم حرب. وهذه العبارة تحتاج إلى قراءة دقيقة؛ فهي ليست حكماً قضائياً نهائياً، لكنها في الوقت ذاته ليست اتهاماً سياسياً عابراً، وإنما نتيجة تحقيق دولي وصلت فيها الأدلة إلى مستوى يبرر مواصلة التحقيق والمساءلة.
وهنا تظهر أهمية المنهج. لا تبرئة لطرف لمجرد رفض التقرير، ولا إدانة نهائية لطرف استناداً إلى تقرير لم يتحول إلى حكم قضائي. ومن أبرز ما يلفت في الإحاطة أن الحرب السودانية لم تعد تُقرأ فقط من خلال المدفع والدبابة. الطائرات المسيّرة أصبحت جزءاً مركزياً من المعادلة العسكرية، وأدت إلى توسيع نطاق الاستهداف بعيداً عن خطوط القتال، بما في ذلك مناطق مأهولة ومنشآت مدنية. وهذا التطور نقل التحقيق من تحديد مطلق النار إلى البحث في منظومة الحرب نفسها السلاح، التمويل، التكنولوجيا، التدريب، النقل، قطع الغيار وشبكات الإمداد.
تتحدث البعثة عن شبكات عابرة للحدود أسهمت في دعم العمليات العسكرية لقوات الدعم السريع، مع مسارات وارتباطات تشمل الإمارات وتشاد وجنوب شرق ليبيا والصومال، وتدفقات للسلاح والمعدات والمواد واللوجستيات والأفراد.
لكن المهنية تقتضي في الوقت نفسه تسجيل أن البعثة تقول إن تحقيقها في الدعم الخارجي الذي ربما أسهم في انتهاكات من جانب القوات المسلحة السودانية لا يزال في مرحلة أولية. هذه الملاحظة ليست تفصيلاً هامشياً، بل جزء من الحقيقة. فإذا كان الهدف هو الوصول إلى الحقيقة، فيجب التفريق بين ما توصلت إليه البعثة، وما لا يزال قيد التحقيق، وما يمكن استنتاجه سياسياً.
والثابت أن الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات لم تعد قابلة للتفسير باعتبارها قدرة ذاتية لطرفي النزاع فقط. فاستمرارها يرتبط أيضاً بتدفقات السلاح والمال والتكنولوجيا واللوجستيات والمقاتلين والخبرات عبر الحدود. ولهذا بدأ الخطاب الدولي ينتقل من سؤال وقف القتال إلى محاولة تفكيك البيئة التي تجعل استمرار القتال ممكناً. وهنا تتصل إحاطة شاندِه عثمان مباشرة بمجلس الأمن. حظر السلاح الأممي القائم مرتبط بدارفور، بينما تدعو البعثة إلى إنفاذه وتوسيعه ليشمل السودان كله. كما طرحت الولايات المتحدة توسيع نطاق الحظر وإدخال الطائرات المسيّرة والتكنولوجيا المرتبطة بها ضمن القيود المقترحة.
وهذا يعني أن استحقاق 12 سبتمبر سيكون اختباراً حقيقياً: هل يكتفي المجلس بتمديد النظام القائم، أم يتجه إلى تشديده، أم يحاول الوصول إلى صيغة وسط تجمع بين استمرار الحظر على دارفور وتشديد الرقابة على شبكات السلاح والتكنولوجيا؟ أما الحظر الشامل على السودان، فهو الأكثر تأثيراً، لكنه أيضاً الأكثر تعقيداً، لأنه يفتح مباشرة قضية التوازن بين منع وصول السلاح إلى أطراف الحرب وبين عدم إضعاف قدرة الدولة على الدفاع عن نفسها. وهنا تتداخل الحسابات السودانية مع مصالح الدول الكبرى.
بعد أيام من هذا الاستحقاق، تأتي الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث سيكون السودان أمام منصة سياسية أوسع. وقد لا تملك الجمعية العامة أدوات مجلس الأمن، لكنها تستطيع أن تعكس حجم العزلة أو التأييد الدولي، وتعيد وضع الحرب السودانية في مركز النقاش العالمي.
وفي هذه المرحلة سيكون على الحكومة السودانية أن تختار بين التعامل السياسي التقليدي مع تقارير الأمم المتحدة وبين الدخول في معركة الأدلة.
رفض البعثة بالكامل لا يكفي. الأكثر فاعلية هو تقديم ملف موثق يرد على الوقائع الواردة في التقرير، يصحح ما يراه خاطئاً، يكشف أوجه القصور، ويوثق الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع وحلفاؤها، وفي الوقت نفسه يتعامل بجدية مع أي اتهام يطال القوات المسلحة. الدولة التي تريد الدفاع عن موقفها دولياً تحتاج إلى الأدلة أكثر من حاجتها إلى الشعارات. وفي المقابل، فإن التعامل مع تقرير الأمم المتحدة باعتباره حقيقة نهائية لا تقبل النقاش خطأ مماثل. الأمم المتحدة ليست فوق النقد، وتقارير تقصي الحقائق ليست أحكاماً قضائية. لكنها أيضاً ليست منشورات سياسية يمكن إسقاطها بعبارة «مؤامرة».
الموقف الأكثر اتزاناً هو فحص الأدلة ومناقشة المنهج والنتائج والاعتراض على ما يستوجب الاعتراض، وقبول ما تثبته الوقائع أياً كان الطرف الذي يدينه.
إحاطة شاندِه عثمان لا تقول إن الحرب ستتوقف غداً، ولا تقدم حلاً جاهزاً للسودان، ولا تمنح طرفاً صك براءة. لكنها تعكس تحولاً مهماً في طريقة النظر الدولية إلى الحرب. لم يعد السودان يُقرأ فقط باعتباره صراعاً داخلياً بين الجيش والدعم السريع، بل باعتباره حرباً تتداخل فيها شبكات السلاح والتمويل والتكنولوجيا واللوجستيات والدعم الخارجي. وهنا تكمن أهمية التوقيت. فالإحاطة جاءت قبل استحقاق مجلس الأمن، وقبل الجمعية العامة، وفي لحظة تتصاعد فيها الدعوات إلى توسيع حظر السلاح. لذلك فإن القيمة الحقيقية للإحاطة لن تحددها الكلمات التي قيلت في جنيف وحدها، وإنما ما إذا كانت تلك الكلمات ستتحول إلى قرارات وآليات ضغط ومساءلة في نيويورك وما بعدها.
إن أراد المجتمع الدولي إنهاء الحرب، فلن يكون كافياً أن يطالب السودانيين بوقف القتال. عليه أيضاً أن يتعامل مع مصادر السلاح والتمويل وشبكات الإمداد التي تجعل الحرب قابلة للاستمرار. وهنا تبدأ المرحلة الأصعب الحقيقة أولاً… ثم المسؤولية.
