الإثنين, سبتمبر 7, 2026
الرئيسيةمقالاتالجنيه الذهبي الادخاري الحل المغيب عمدا لازمة سعر الصرف. ...

الجنيه الذهبي الادخاري الحل المغيب عمدا لازمة سعر الصرف. الخبير المصرفي : د. لؤي عبد المنعم

الجنيه الذهبي الادخاري ليس مجرد فكرة مصرفية جديدة، بل يمثل رؤية استراتيجية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من أزماته البنيوية الممتدة. فمنذ فقدان عوائد النفط عقب انفصال الجنوب، ظل الجنيه السوداني يواجه ضغوطا متزايدة نتيجة المضاربة على الدولار، وفشل الحلول التقليدية في معالجة جذور الأزمة النقدية. هذا الواقع دفع المواطنين والتجار والمعدنين إلى سلوك دفاعي جماعي، حيث أصبح الدولار الملاذ الوحيد لحفظ القيمة، مما عمق حالة الانهيار النقدي وأفقد الجهاز المصرفي ثقة الجمهور.

في مواجهة هذا الوضع، يطرح مشروع الجنيه الذهبي الادخاري بديلا سياديا يقوم على تحويل الذهب من مادة للتهريب والمضاربة إلى وعاء ادخاري آمن، محصور التداول داخل الجهاز المصرفي. يتميز هذا المنتج بكونه وحدة ذهبية مسكوكة من بنك السودان المركزي، مغطاة بذهب فعلي عيار 24، ولا يسمح بتداولها خارج المصارف إلا في حالات استثنائية. ويعتمد تسعيرها على سعر الإقفال اليومي في بورصة الذهب العالمية والسعر التأشيري للدولار، مع توفير فئات صغيرة مثل عشرة وخمسة وعشرين غراما لضمان شمولية الادخار لجميع الشرائح. العوائد المتوقعة تتراوح بين اثني عشر وسبعة عشر في المئة سنويا، مدعومة بتوقعات ارتفاع سعر الأوقية إلى حدود أربعة آلاف وتسعمائة دولار بنهاية عام 2026.

أهمية هذا المقترح تكمن في قدرته على تقليص الطلب على الدولار عبر توفير بديل آمن للمعدنين والتجار، واستعادة السيولة المصرفية المفقودة، إضافة إلى دعم التنمية القومية من خلال توظيف نسبة من حسابات الجنيه الذهبي في تمويل مشروعات زراعية وصناعية كبرى. كما يفتح الباب أمام تحول بنيوي في موارد ديوان الزكاة، إذ يوفر وعاءً ضخما لتحصيل الزكاة من مدخرات التجار الذهبية، بما يعزز جهود الحد من الفقر ويحول السياسة المالية إلى أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية.

لا يقف المشروع عند حدود الإصدار المادي، بل يتجه نحو التحول الرقمي عبر إنشاء عملة رقمية مدعومة بالذهب باستخدام تقنية البلوكشين، بما يضمن شفافية كاملة في توثيق الملكية، وأمانا عاليا بسجلات غير قابلة للتلاعب، وكفاءة إدارية في عمليات التسييل والربط بأنظمة الدفع الإلكتروني. النموذج السوداني المقترح يتميز بكونه نظاما مغلقا يمنع تهريب الذهب ويضمن بقاء الاحتياطي داخل الدولة، على خلاف بعض التجارب الدولية التي سمحت بتسرب الذهب خارج الحدود.

ومع ذلك، يواجه المشروع تحديات جسيمة، أبرزها مقاومة أصحاب المصالح من تجار العملة ومهربي الذهب، وغياب الإرادة السياسية الصلبة لتبنيه منذ طرحه لأول مرة في فبراير 2018. كما يتطلب التنفيذ إنشاء بورصة ذهب وطنية، وتأسيس وحدة متخصصة للأصول الرقمية داخل البنك المركزي، إلى جانب حملات إعلامية واسعة لاستعادة ثقة الجمهور وبناء تحالفات مصرفية قادرة على مواجهة قوى الشد العكسي.

إن الجنيه الذهبي الادخاري ليس مجرد مسكن اقتصادي، بل هو إصلاح عميق يهدف إلى إعادة بناء الثقة في الجهاز المصرفي، وتحويل الذهب السوداني من مادة للاستنزاف إلى ركيزة للاستقرار النقدي والتنمية الشاملة. نجاح هذا المشروع مرهون بقرار سيادي حاسم يضع المصلحة الوطنية فوق نفوذ المضاربين والمهربين، ويمنح السودان فرصة تاريخية لاستعادة سيادته النقدية عبر ابتكار هو الأول من نوعه عالميا.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات