عندما تُرفع الشعارات البراقة في زمن المحن الكبرى والمنعطفات التاريخية الفاصلة فإنه لا ينبغي لنا أن نأخذها على ظاهرها فكثير من الكلمات يتم التحايل علي معانيها للتستر علي المواقف الحقيقية. وفي أتون حرب السودان الوجودية برز شعاران احتلا مساحة واسعة في خطاب فئة من السياسيين والفاعلين وذلك بادعاء الحياد بين طرفي النزاع او استخدام شعار لا للحرب لمضامينهما المحمودة ولأن كلاهما يعنيان الإنصاف وتلبية العواطف العامة التي تسيطر علي الناس في زمن الحروب، أما إذا ما نفذنا إلى جوهرهما لتفكيك مآلاتهما، اكتشفنا أنهما أداة تضليل مزدوجة تُستخدم لتمرير انحياز مُقنَّع يقارب درجة الخيانة الوطنية وذلك حين يُختار فيه الوقوف في المنتصف بين الدولة من جهة وبين من يعمل علي هدمها وتفكيك مؤسساتها. إن أولئك الذين يعلنون أنهم يقفون على مسافة واحدة من القوات المسلحة والمليشيا ويزعمون بوقار يحسدون عليه أنهم لا يميلون لطرف دون آخر فإنهم في تلك الحالة لا يمارسون حيادا أخلاقيا بل يمارسون تضليلا منهجيا لخداع الوعي الجمعي. فالحياد في معجم الوطنية لا يعني المساواةَ بين ما هو دولة شرعية وما هو مُعطل لكيان الدولة. طبعا هذه الفئة تعلم يقينا أن المليشيا ليست طرفا نِدّا أو شريكا للدولة بل هي مشروع تدمير منظم انحرف عن سياقه الوطني وتغذى من أجندات لا تشبه أجندات اهل السودان ولكنهم يصرون على هذا الادعاء لسبب بسيط وصارخ وهو أن إعلان انحيازِهم الصريحِ لآلة الخراب المليشياوية سيحرقهم سياسيا في الداخل لامحالة فالتمسح بثوب الحياد الكذوب هو وسيلتهم للبقاء في دائرةِ القبولِ الشعبيِ مع أن مواقفهم العملية تجّسد انحيازا تاماً لطرف دون آخر.والأدهى من ذلك أن دولا كثيرة تردد ذات اللغة. وتعلن دائما تمسكها بالشرعية والقانون الدوليِ بينما تعمل في الخفاء على تمكين المليشيا وتوفيرِ غطاء سياسي وعسكري لها، أو تغض الطرف عن فظائعها وعن داعميها الخارجيين. وهنا يتحوَّل الحياد إلى غطاء مؤسسي للتواطؤ المقنَّع. دول تحاور كلا الطرفين بلسان دبلوماسي معسول وتمد يد العون لطرف واحد بيد خفية لا يراها مَن يُغمض عينيه عامدا عن الحقيقة.
أما شعار لا للحرب فهو في أصله تعبير عن رغبة إنسانية نبيلة في السلام ورفض القتل والدمارِ. ولكنه حين يستخدم كموقف سياسي مكتفي بذاته يصبح أداة لخلخلة الوعي العام ولتسوية موقف اللاموقف الذي يتدثر بثوب الحكمة وهو في حقيقته انحراف ونكوص عن الواجب الوطنيِ المفروض،
ذلك لأن رفض الحرب بلا تمييز حاسم بين من يقاتل ليطفئ نارها ويحمي الأرض وبين من يشعل حطبها ويؤجج لظاها، هو موقف لا يخلو من تواطؤ ضمني. فإذا قلت لا للحرب ولم تقل نعم لمن يحاول إنهاءها باجتثاث مسبباتها من جذورها كأنك تساوي بين من يصوب النيران ترويعا وبين من يحاول إخمادها، وتقول لهما بجهل كلاكما مذنب، فكفّا عن الفعل. وهذا في جوهره تجريد للحقِ من سلاحه الأخلاقيِ والوطنيِ وتسوية جائرة بين الضحية والجلاد تحت مسمى النأيِ عن العنف.إن اللحظات التاريخية الفاصلة لا تقبل الوقوف في المنتصف فالمسافة بين الحقِ والباطل ليست مسافة جغرافية يقام عليها فسطاط للحياد بل هي ميدان تمحيص واختبار للانتماء الوطني الأصيل. حين تُهدد الدولة في صميم وجودِها ويُستباح الوطن من قِبَل قوة مسلحة خارجة عن القانون لا يُعتبر الوقوف على الحياد حكمة وتُؤدة بل يعتبر تخليا عن الواجب ومشاركة بالصمت في العدوان، فاختيار جانب الحقِ في الأزمات الكبرى ليس انحيازا عصبيا، بل هو محض أداء للواجب المفترض. وكما أن المواطن لا يملك أن يقف على الحياد حين يُقتحَم بيته ويُعتدى على أهله فإن الوطن لا يحتمل من أبنائه أن يقفوا متفرجين بين مَن يحميه ومَن يدمِره. لان الحياد في هذه الحاله ليس فضيلة بل هو قصور وطني وتقاعس عن أداء الأمانة التي حملتها لنا الأرض والتاريخ.ومن ثم فإن مَن يُعارضون الحرب بلا تمييزٍ ويطالبون بالوقف الفوريِ بلا شروط ولا موازين للعدالةِ، إنما يطالبون بوقف المقاومة لا بوقف العدوانِ. وفرق شاسع بين أن تقول: أوقفوا العدوان لتحقيق السلام العادل والمستحق وبين أن تقول: أوقفوا القتال ليستمر المعتدي في مواقعه. الأول منطق عدالة وأنَفَة، والآخر منطق استسلام مُقنَّع تغَلِّفُهُ شعارات براقة جوفاء لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
لا يُعاب المرء بأن يحب السلام ويرغب في وقفِ الحربِ بل يُعاب بأن ياتي حب السلام بلا شروط، وأن يكون الرضى بسلام يأتي على حساب الوطن وكرامتِهِ وسيادته. فالسلام الذي يُبنى على حسابِ الدولةِ ومؤسساتها الشرعية هو سلام مُوهَن وكاذب سرعان ما يتحول إلى حرب أشد ضراوة ونكالا حين تقوى شوكة المليشيا وتتوسع مشروعاتها التدميرية.
وفي نهاية القول نعيد صياغة الحقيقة عارية بكلِ تجرد، مادام الحق والباطلِ في تلاحم ومواجهة فالوقوف في الـمنتصفِ هو انحياز صريح للباطلِ والادعاء بالحياد في حالة وجوب رد العدوان هو مشاركة في الجريمة بل، رفض الحربِ بلا فرز عادل هو تبرير ومسوغ لاستمرارِها. فليست كل مواقف ادعاء الحياد مواقفَ حكيمة كما يتم تصويرها بل إن جل المنعطفات التاريخيةِ لا تمنحك إلا خيارينِ لا ثالث لهما وهي إما أن تكون في فسطاط الوطن وإما أن تكون مع مَن يبتغي هدمه ولا يوجد طريق ثالث إطلاقاً في زمن الملاحم والمحن العظمى.
