saeed.abuobida5@gmail.com
قرأت خبراً متداولاً عن طرح عطاء لتوريد الكيربستون والإنترلوك لتأهيل وتجميل الطرق في ولاية الخرطوم، وقرأت الخبر أكثر من مرة لأتأكد من أنني لم أُسئ فهم ما قرأت.
ولست هنا بصدد تأكيد صحة الخبر أو نفيه، ولا أريد أن أبني هذا المقال على صحة الإعلان من عدمها. لكن مجرد تداول مثل هذا الخبر يفتح باباً مهماً للنقاش حول أولويات الإنفاق وإدارة الخدمات في الخرطوم في هذه المرحلة.
والسؤال الذي أوجهه مباشرة إلى والي الخرطوم وهيئة الطرق والجسور هو:
إذا كانت مثل هذه المشروعات مطروحة فعلاً، فهل الأولوية الآن لتجميل الطرق بالكيربستون والإنترلوك، أم أن هناك أولويات أكثر إلحاحاً يجب أن تأتي أولاً؟
النفايات… هل هي الأولوية الأولى؟
الخرطوم خرجت من حرب تركت وراءها دماراً واسعاً وتراجعاً في الخدمات، ويعود إليها المواطنون تدريجياً بعد سنوات من النزوح.
فماذا يجد المواطن عندما يعود إلى منزله؟
هل يجد حياً نظيفاً؟
هل يجد عربة النفايات تصل بصورة منتظمة؟
هل يجد المصارف مفتوحة؟
هل يجد الطرق الداخلية صالحة للحركة؟
أم يجد النفايات متراكمة في الشوارع، ومشكلات في الخدمات الأساسية، وبيئة تحتاج إلى تدخل عاجل؟
إذا كان المواطن لا يزال يعاني من مشكلة النفايات، فهل يمكن أن تكون النظافة هي الأولوية الأولى قبل تجميل الطرق؟
وهل المدينة التي تتراكم فيها النفايات تحتاج الآن إلى إنترلوك وكيربستون أكثر مما تحتاج إلى عربات نظافة تعمل بصورة منتظمة؟
هل تحتاج الخرطوم أولاً إلى أن تكون نظيفة قبل أن تكون جميلة؟
ماذا عن الخريف؟
وهناك سؤال آخر أكثر إلحاحاً:
هل تم وضع موسم الخريف في الاعتبار عند ترتيب الأولويات؟
ألا يمكن للنفايات المتراكمة أن تتسبب في انسداد المصارف؟
ألا يمكن أن يؤدي انسداد المصارف إلى تجمع مياه الأمطار داخل الأحياء والطرق؟
وهل يمكن أن نبدأ في تجميل الطرق بينما لا تزال بعض المصارف تحتاج إلى فتح وصيانة وتأهيل؟
أليس منطقياً أن يكون رفع النفايات وفتح المصارف وتصريف مياه الأمطار من الأولويات العاجلة قبل أعمال التجميل؟
ومن المسؤول عن خدمة النظافة؟
هناك أيضاً سؤال يتعلق مباشرة بالمواطن.
إذا كانت بعض الأحياء مطالبة بتوفير تكلفة عربة النظافة كاملة حتى تحصل على الخدمة بصورة منتظمة، فهل هذا هو النموذج المناسب في هذه المرحلة؟
هل المواطن الذي عاد بعد الحرب، وربما وجد منزله مدمراً أو يحتاج إلى إعادة تأهيل، يستطيع أن يتحمل فوق ذلك تكلفة خدمة أساسية مثل النظافة؟
أين تبدأ مسؤولية المواطن؟
وأين تبدأ مسؤولية المحلية؟
وأين تبدأ مسؤولية الولاية؟
ومن المسؤول في النهاية عن ضمان أن تكون الخرطوم مدينة نظيفة وصالحة للحياة؟
وهل النظافة خدمة يمكن أن تظل رهينة لقدرة كل حي على توفير تكلفة عربة كاملة؟
أم أنها من الخدمات الأساسية التي يجب أن تجد لها الولاية والمحليات ترتيبات تمويل وتشغيل مستدامة؟
والسؤال الأكبر: هل تعمل مؤسسات الولاية معاً؟
هنا نصل إلى السؤال الذي ربما يكون أهم من موضوع الإنترلوك والكيربستون نفسه.
هل هناك تنسيق فعلي بين ولاية الخرطوم، وهيئة الطرق والجسور، وهيئة نظافة ولاية الخرطوم، والمحليات، والجهات المسؤولة عن المصارف وتصريف مياه الأمطار وإصحاح البيئة؟
هل تعمل هذه الجهات وفق خطة واحدة وأولويات واحدة؟
أم أن لكل جهة خطتها ومشروعاتها وميزانيتها وأولوياتها؟
هل توجد جهة عليا تنظر إلى الخرطوم باعتبارها منظومة واحدة، وليس مجموعة من الملفات المنفصلة؟
فالمواطن لا يرى هيئة الطرق والجسور وحدها.
ولا يرى هيئة النظافة وحدها.
ولا يرى هيئة المصارف وحدها.
هو يرى شارعاً واحداً.
وفي الشارع نفسه توجد النفايات، والمصرف، والطريق، والرصيف.
فإذا قامت جهة بتأهيل الطريق، وقامت جهة أخرى بجمع النفايات، وجهة ثالثة بصيانة المصرف، فمن الذي ينسق بين كل هذه الأعمال؟
ومن يقول إن هذا الحي يحتاج أولاً إلى رفع النفايات، ثم فتح المصارف، ثم تأهيل الطريق، ثم تجميله؟
من يحدد ترتيب الأولويات؟
هل توجد هيئة تنسيقية عليا؟
سعادة الوالي، هل توجد هيئة أو لجنة تنسيقية عليا تمتلك صلاحية حقيقية لتنسيق أعمال الطرق والجسور والنظافة وتصريف مياه الأمطار وإصحاح البيئة والمحليات؟
وإذا كانت هناك لجان ومجالس تنسيق بالفعل، فهل لديها صلاحية اتخاذ القرار وتحديد الأولويات وتوجيه الموارد؟
وهل توجد أمامها خريطة موحدة لمشروعات الولاية توضح ما الذي يجب أن يبدأ أولاً وما الذي يمكن تأجيله؟
وهل يتم التنسيق قبل طرح المشروعات والعطاءات، أم أن كل جهة تضع مشروعاتها ثم يبدأ التنسيق لاحقاً؟
وهل يمكن أن يحدث أن تقوم جهة بتأهيل شارع وتجميله، بينما تظل النفايات متراكمة في الشارع نفسه؟
وهل يمكن أن يتم تأهيل طريق دون معالجة المصارف وتصريف مياه الأمطار المرتبطة به؟
وهل يمكن أن تقوم جهة بتنفيذ أعمال في شارع، ثم تأتي جهة أخرى بعد فترة قصيرة لتحفر الشارع نفسه لتنفيذ أعمال خدمات؟
إذا حدث ذلك، فمن يتحمل تكلفة تكرار العمل؟
ومن يتحمل تكلفة إهدار الموارد؟
الخرطوم ليست مجموعة جزر
ربما يكون من السهل على المؤسسات الحكومية أن تنظر إلى اختصاصاتها باعتبارها ملفات منفصلة:
الطرق والجسور لها ملف.
النظافة لها ملف.
المصارف لها ملف.
المياه لها ملف.
الصحة لها ملف.
المحليات لها ملف.
لكن هل يستطيع المواطن أن يفصل بينها؟
عندما تتراكم النفايات وتسد المصرف، ثم تهطل الأمطار، ثم تتجمع المياه في شارع غير مؤهل، هل يستطيع المواطن أن يقول إن هذه مشكلة هيئة النظافة فقط؟
أم أنها أصبحت مشكلة مدينة كاملة؟
وعندما يتم تأهيل الطريق، هل يمكن أن نقول إن المهمة انتهت بمجرد اكتمال الرصف أو تركيب الإنترلوك؟
أم يجب أن تكون هناك منظومة متكاملة تضمن النظافة وتصريف المياه وصيانة الطريق والمحافظة عليه؟
هل آن الأوان لأن تُدار الخرطوم كمدينة واحدة، لا كمجموعة من المؤسسات المنفصلة؟
الأولوية ليست دائماً للمشروع الأجمل
لا أحد يعترض على تطوير الخرطوم.
ولا أحد يرفض تأهيل طرقها.
ولا أحد يقول إن تحسين المظهر الحضري غير مهم.
لكن في اقتصاد يعاني من آثار الحرب وشح الموارد، يصبح السؤال عن الأولوية أهم من السؤال عن المشروع نفسه.
إذا كان لدينا جنيه واحد يمكن إنفاقه، فهل الأفضل أن ننفقه على تجميل شارع؟
أم على رفع النفايات من حي كامل؟
أم على إصلاح عربة نظافة متوقفة؟
أم على فتح مصرف قبل موسم الأمطار؟
أم على تأهيل طريق حيوي يخدم المواطنين وحركة السلع؟
أليس من واجب الإدارة العامة أن تقارن بين هذه الاحتياجات وفقاً لأثرها المباشر على المواطن والاقتصاد؟
إعادة الحياة قبل تجميلها
الخرطوم اليوم لا تحتاج فقط إلى إعادة بناء ما دمرته الحرب.
إنها تحتاج إلى إعادة الحياة.
وإعادة الحياة تبدأ من الخدمات الأساسية.
من حي نظيف.
من شارع صالح للحركة.
من مصرف مفتوح.
من عربة نظافة تعمل.
من سوق يستطيع التاجر والمواطن الوصول إليه.
من بيئة يستطيع المواطن أن يعود إليها ويعيش فيها بأمان وكرامة.
ثم تأتي مرحلة التجميل والتحسين الحضري.
فهل يمكن أن يكون ترتيب الأولويات في هذه المرحلة:
النظافة أولاً، ثم تصريف مياه الأمطار، ثم الخدمات الأساسية والطرق الحيوية، ثم التجميل؟
وهل يمكن أن تكون لكل حي خطة متكاملة بدلاً من تنفيذ مشروعات متفرقة؟
والسؤال الأخير إلى والي الخرطوم
سعادة والي الخرطوم،
هل يمكن أن نعرف من يدير الصورة الكاملة للخرطوم؟
من يقرر أن هذا المشروع أكثر إلحاحاً من ذاك؟
من ينسق بين هيئة الطرق والجسور وهيئة النظافة والمحليات والجهات المسؤولة عن المصارف؟
من يتأكد من أن الأموال العامة لا تُنفق على مشروع قبل معالجة احتياج أكثر إلحاحاً؟
ومن يضمن أن المواطن العائد إلى الخرطوم يجد مدينة صالحة للحياة قبل أن يجد مدينة جميلة؟
ربما لا تكون المشكلة في الكيربستون.
وربما لا تكون المشكلة في الإنترلوك.
وربما لا تكون المشكلة حتى في تأهيل الطرق.
المشكلة الحقيقية قد تكون في ترتيب الأولويات وفي مستوى التنسيق بين مؤسسات الولاية.
فالمدينة لا تحتاج إلى أن تعمل كل مؤسسة فيها منفردة.
الطرق تحتاج إلى النظافة، والنظافة تحتاج إلى طرق صالحة، والطرق تحتاج إلى مصارف، والمصارف تحتاج إلى أحياء خالية من النفايات.
وهذه كلها في النهاية ليست ملفات منفصلة بالنسبة للمواطن.
إنها حياته اليومية.
لذلك يبقى السؤال:
هل تكون الأولوية اليوم لتجميل الخرطوم، أم لإعادتها أولاً إلى مدينة نظيفة، آمنة، صالحة للحياة؟
وهل تستطيع ولاية الخرطوم أن تجعل النظافة وإصحاح البيئة والخدمات الأساسية وإعادة تأهيل البنية التحتية خطة واحدة، وقراراً واحداً، وأولوية واحدة؟
الخرطوم تحتاج إلى إعادة الإعمار، نعم.
لكنها تحتاج قبل ذلك إلى إعادة ترتيب الأولويات.
