إذا كان الجزء الأول قد سأل: من أين بدأ الخلل؟
وإذا كان الجزء الثاني قد سأل: ماذا حدث لموازين القيمة والوعي؟
فإن الجزء الأخير يضع أيدينا على رمز لا يحتمل العبث:
الكاكي.
ليس الكاكي لونًا.
إنه هيبة جيش، وانضباط جندي، وذاكرة وطن.
هو الزي الذي ارتداه رجال ونساء حملوا مسؤولية ثقيلة، ووقفوا في مواقع لا تعرف التصفيق، بينما خلفهم بيوت تنتظر، وأسر تدعو، وشعب يعرف أن للحرية ثمنًا، وللوطن رجالًا يدفعون من أعمارهم وأرواحهم.
لذلك، فإن هيبة الكاكي لا يصنعها القماش، ولا الرتبة وحدها.
يصنعها الواجب، والانضباط، والتضحية.
يصنعها جندي يقف في مكانه حين يتراجع كثيرون، ويعرف أن الوطن أكبر من نفسه.
ويصنعها شعب دفع من أمنه وبيوته وأيامه ثمنًا باهظًا، وما زال يحمل وطنه رغم كل ما أثقله.
لهذا، لا يجوز أن يتحول الكاكي إلى مجرد مظهر.
فمن ارتداه حمل معه معنى.
ومن وقف تحته وقف أمام تاريخ.
ومن احترمه، احترم الذين حملوه قبله.
لكن المؤلم أن اختلال الموازين لا يتوقف عند صورة أو زي.
لقد امتد إلى طريقة نظرنا إلى القيمة نفسها.
أصبحنا أحيانًا نرى ما يلمع قبل أن نرى ما يستحق.
نسمع الضجيج قبل أن نسمع صوت العمل.
نلاحق الصورة قبل أن نسأل عن مضمونها.
وتصبح الشهرة، في لحظات، أسرع من المعرفة، وأعلى من أصحاب الإنجاز الحقيقي.
حتى صار السؤال أحيانًا: من تصدّر المشهد؟
بدلًا من:
ماذا قدّم؟
وهنا يأتي الفن والغناء.
الفن ليس المشكلة، والمغنية ليست المشكلة.
لكن حين يصبح حضور فنانة في مشهد ما أكثر تأثيرًا في الوعي العام من قيمة المناسبة نفسها، فهنا يجب أن نسأل عن ميزاننا، لا عن الفنانة.
ليس المطلوب أن نلغي الفن.
بل أن نضعه في مكانه.
فالأغنية جميلة حين تكون في مقامها، والاحتفال جميل حين يعرف حدوده، لكن الوطن أكبر من أن يصبح مجرد خلفية لمشهد عابر.
وفي الوقت الذي ننشغل فيه بما يلمع أمام أعيننا، هناك ما هو أثقل من الصورة بكثير.
طاولات تفاوض تُعقد.
واتفاقات تُكتب.
ومصالح تتخاصم وتتقاطع.
وحقوق شعب تُناقش وكأنها قابلة للخصم والمساومة.
وفي الجانب الآخر، مواطن يسأل عن أبسط حقوقه:
أين حقي؟
أين كرامتي؟
وأين السودان في كل هذا؟
أم كادحة تبيع الشاي لتطعم أبناءها، فيُضيَّق عليها بدل أن تُمد لها يد العون.
بيوت تُهدم.
أرض تُستنزف.
فساد ينهش مقدرات الوطن.
وقيم تتراجع، وعادات دخيلة تتسلل، ونسيج اجتماعي كان يومًا أكثر تماسكًا يتعرض للاهتزاز.
وفي كل ذلك، يتراجع الإنسان إلى آخر الصف.
إنسان يبحث عن الأمان.
أسرة تبحث عن بيت.
طفل يبحث عن حياة طبيعية.
ومواطن يريد فقط أن يعيش بكرامة.
ثم نختلف على المشهد، وننسى الإنسان الذي يقف خلفه.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي:
ماذا يستحق أن يتصدر المشهد؟
هل هو الخبر الأسرع انتشارًا؟
أم العمل الذي يبني؟
هل هي الصورة الأكثر لمعانًا؟
أم الإنسان الذي يحمل مسؤولية؟
هل هي الشهرة؟
أم القيمة؟
لقد اختلت موازيننا حين أصبح المظهر قادرًا على أن يتقدم على الجوهر، والضجيج على العمل، واللحظة على الذاكرة.
وإعادة الميزان لا تعني إلغاء أحد.
تعني فقط أن نعرف لكل شيء قدره.
أن نحترم الجيش دون أن نحول هيبته إلى زينة.
أن نحفظ للشهيد مكانته دون أن نجعل ذكراه مناسبة عابرة.
أن نحترم العلم والعمل.
أن نرى الإنسان قبل الصورة.
وأن نعرف أن الوطن لا يُبنى بما يثير التصفيق، وإنما بما يبقى بعد أن ينتهي التصفيق.
وربما لهذا السبب تحديدًا، لا أستطيع أن أنسى مشهدًا رأيته في بربر بولاية نهر النيل.
أم نازحة من الفاشر.
خرجت من أرضها وهي تحمل وجعها، ثم وجدت ابنها أمامها بين طابور سير الدفعة (69) بالكلية الحربية.
كان يرتدي الكاكي.
لكنها لم ترَ القماش.
رأت ابنها.
وفي لحظة واحدة، اختصر المشهد معنى الزي كله.
رأت فيه ابنًا خرج من بيتها، ورأت فيه وطنًا ما زال لديها ما يستحق أن تحلم من أجله.
هنا يصبح الكاكي أكبر من الزي.
يصبح وعدًا.
ومسؤولية.
وذاكرة.
وتصبح الأم التي خرجت من الفاشر، ثم التقت ابنها في بربر، أكثر من أم في مشهد؛ تصبح صورة لوطنٍ رغم ما فقد، ما زال ينظر إلى أبنائه بعين الأمل.
وهنا نفهم لماذا لا يجوز أن نُفرغ الرموز من معناها.
فالكاكي الذي نحترمه اليوم صنع هيبته من الواجب والتضحية.
والشهداء الذين ارتدوه قبل أن يغيبوا عن بيوتهم تركوا لنا أمانة الذاكرة.
والأمهات اللواتي ربين أبناءهن على حب الوطن لا يحتجن إلى منصات كي يثبتن معنى الانتماء.
يكفي أن نرى أمًا تنظر إلى ابنها.
ومن هنا، فإن استعادة موازيننا تبدأ من استعادة المعنى.
أن نعرف أن الشهرة ليست قيمة في ذاتها.
وأن الصورة ليست إنجازًا.
وأن الضجيج ليس دليلًا على الأهمية.
وأن الكاكي ليس زينة.
وأن الوطن ليس مشهدًا عابرًا.
الوطن أمانة.
وإذا كان هذا هو الجزء الأخير من هذه السلسلة، فربما تكون الرسالة التي تستحق أن تبقى أبسط من كل الكلام:
لا تجعلوا الشهرة أعلى من المعرفة.
ولا المظهر أعلى من الجوهر.
ولا الضجيج أعلى من العمل.
ولا العابر أعلى من الوطن.
لقد اختلت موازيننا حين تغيرت مقاييسنا.
وسيبدأ إصلاحها حين نعيد لكل شيء مكانه، ولكل قيمة قدرها، ولكل إنسان حقه في أن يُرى كما هو، لا كما تصنعه الضجة.
سودان واحد… دولة واحدة… وطن يتسع للجميع.
لقد ولدتنا أمهاتنا أحرارًا…
فلا نسمح أن تُباع كرامتنا، ولا أن تُهان ذاكرتنا، ولا أن تضيع قيمة وطننا وسط ضجيج العابرين.
” حين نعيد للموازين مكانها، نعيد للوطن معناه. “
أصون العهد.
أصون الدم.
وأصون الوطن.
✍️…….
سلام وأمان، فالعدل ميزان.
أنا الرسالة حين يضيع البريد..
أنا امرأة من حبر النار..
✒️ عبير نبيل محمد
