ثمة مفارقة تستحق التوقف أمامها وطن من أغنى بلاد العالم بالموارد وأوسعها تنوعاً، وأكثرها خبرة في فض النزاعات بالجودية والأجاويد، ومع ذلك مزقته الحروب، واستنزفته الخصومات، حتى انتهى به الأمر إلى فقدان جزء عزيز من أرضه، ثم ظل الجزء المنفصل نفسه يصارع أزماته.
فإذا كانت المشكلة في ندرة الموارد فما تفسير الفقر وسط هذا الثراء؟ وإذا كانت في غياب الحكمة فمن أين جاءت قدرة الجودية على الصلح؟ وإذا كان الاختلاف فلماذا ظل التنوع عبر التاريخ أحد أجمل ملامح الشخصية السودانية؟
ربما تكمن الإجابة في حيز أعمق. فالمعضلة لم تكن في ندرة ما نملك وإنما في عجزنا عن تحويل الوفرة إلى تنمية والتنوع إلى قوة والموارد إلى مشروع وطني تتلاقى فيه المصالح وتتوزع بعدالة ويجد فيه كل فرد نصيبه من الوطن وحقه في مستقبله.
الحرب تبدأ في العقول قبل أن تصل إلى الميادين، فالرصاصة تأتي متأخرة حين يصبح الظلم مقبولاً والإقصاء طبيعياً والفوقية ثقافة والحقد ذاكرة والقبيلة بديلاً عن الدولة والسلاح بديلاً عن القانون. حين تتراكم هذه العناصر تصبح الحرب نتيجة مرئية لأزمة أعمق منها.
كنا نعرف حكمة إدارة النزاع قبل أن تصوغها السياسة الحديثة في مناهجها، كنا ندرك أن الخلاف مهما اشتد لا ينبغي أن ينتهي إلى قطيعة، وأن الخصومة يمكن احتواؤها دون أن تتحول إلى عداوة وأن حفظ كرامة الإنسان ليس تفصيلاً في صناعة السلام وإنما أحد شروطه الجوهرية.
وبحكم التجربة، فأن الصلح الحقيقي لا يقوم على كسر أحد الطرفين وإنما على مخرج يحفظ كرامة الجميع، ويتيح لهم العودة إلى مجتمعهم دون أن يحملوا في صدورهم بذور انتقام جديد.
وهنا تكمن المفارقة. لدينا ثقافة اجتماعية (الأجاويد) عرفت عبر أجيال كيف تطفئ نار الخصومة في مقابل نخب سياسية ظل بعضها أكثر قدرة على إشعال نيران الخصومة.
لو قرأ ابن خلدون أزمتنا اليوم لبحث في العلاقة بين العصبية والسلطة والثروة فالمشكلة ليست في تعدد الانتماءات وإنما حين تتحول القبيلة والجهة والهوية والدين والثقافة من روابط اجتماعية إلى أدوات للغلبة والإقصاء. فحين يصبح الانتماء معياراً للحق والباطل والاستحقاق، تتراجع المواطنة وتتحول الدولة إلى ساحة صراع.
أما مالك بن نبي، فربما كان سيطرح سؤالاً أكثر إيلاماً ماذا نفعل حين نمتلك الموارد ونفتقر إلى شروط الحضارة؟ فالثروة وحدها لا تصنع نهضة قد تتحول في غياب الوعي والمؤسسات والعدالة، إلى غنيمة تتصارع عليها الجماعات.
الوطن لا يحتاج إلى مجتمع متشابه حتى يستقر. والوحدة لا تعني التشابه كما أن التنوع لا يعني التفكك. وفي تجربة المدينة المنورة درس بالغ الدلالة. المجتمع المتعدد لا يُبنى بمحو الاختلاف وإنما بتنظيمه داخل إطار الحقوق والواجبات والعهد المشترك.
وهنا تلتقي أسئلة الفكر السياسي من أفلاطون إلى روسو وكانط حول جوهر واحد كيف تتحول القوة إلى سلطة والاختلاف إلى تعاقد والمجتمع إلى دولة تحكمها الشرعية ويصونها القانون؟ هذا هو ما زلنا نبحث عن إجابته.
الإجابة ينبغي ألا تكون استيراد نماذج جاهزة، وإنما بناء صيغة وطنية تستوعب تاريخنا وتركيبتنا الاجتماعية وخبرتنا المحلية. فالمطلوب ليس الاختيار بين الموروث والحداثة وإنما المزاوجة بينهما لصناعة نموذج وطني يعبّر عن هويتنا ويحمي مستقبلنا.
ظل انفصال الجنوب جرحاً في الجغرافيا والذاكرة معاً، لكنه ينبغي أن يتحول إلى درس في فشل إدارة التنوع وبناء الدولة. والأشد دلالة أن الانفصال لم يصنع الاستقرار تلقائياً. قد يرسم حدوداً جديدة على الخريطة، لكنه لا يغيّر جوهر الأزمة حين تبقى أسئلة العدالة والهوية بلا إجابات.
المظالم لا يعالجها الانفصال كما أن الوحدة القسرية لا تصنع وطناً. فالوطن المستقر هو الذي يشعر فيه المواطن أن حقوقه مصونة، وأن اختلافه لا يجعله مواطناً من الدرجة الثانية.
الوطن يحتاج إلى مشروع يتجاوز التسويات المؤقتة وتقاسم السلطة بين النخب، ويعيد تعريف الدولة على أساس المواطنة فلا امتياز لقبيلة أو جهة أو لون أو قرب من السلطة، وإنما الحق للمواطن، والقانون فوق الجميع.
ويبدأ ذلك بعقد اجتماعي جديد يجيب عن السؤال الذي طال تأجيله أيُّ وطن نريد أن نبني وأيُّ شعب نريد أن نحكمه؟ ومن هذا التوافق تنشأ عدالة انتقالية تجمع بين الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر والمصالحة فلا سلام بلا عدالة ولا مستقبل مع الانتقام.
ولا يستقيم ذلك دون جيش وطني واحد ومؤسسات أمنية خاضعة للدستور والقانون فحين تتعدد مراكز السلاح تتعدد مراكز السيادة وتصبح الدولة رهينة لموازين القوة. وبالتوازي نحتاج إلى ثورة في التعليم، تنقل الإنسان من الحفظ إلى التفكير، ومن التعصب إلى السؤال ومن تقديس الأشخاص إلى نقد الأفكار لأن دولة المستقبل لا يمكن أن تُبنى بالعقلية التي أنتجت أزمتها.
كما أن السلام لا يكتمل دون عدالة في توزيع الثروة والتنمية والفرص، حتى تتحول الموارد من وقود للصراع إلى رافعة للحياة. فالمواطن لا يريد أن يسمع أن وطنه غني، وإنما يريد أن يرى أثر هذا الغنى في مدرسة ومستشفى لائق وطريق آمن وفرصة عمل تحفظ كرامته.
ويبقى التصالح مع الذاكرة شرطاً للعبور إلى المستقل نتذكر الجرائم كي لا نكررها، وننصف الضحايا حتى لا تتحول مظالمهم إلى ثأر دون أن نجعل ذاكرة الألم سجناً للأجيال القادمة. فالتسامح لا يعني إسقاط الحقوق أو مساواة الضحية بالجلاد، وإنما يعني أن نمنع جراح الماضي من أن تتحول إلى نظام يحكم المستقبل.
وفي الختام نريد دولة لا يحتاج فيها الإنسان إلى قبيلة تحميه ولا إلى واسطة تنتزع له حقه ولا إلى سلاح يصون كرامته دولة يكون فيها القانون أقوى من العصبية والمؤسسة أقوى من الفرد والمواطنة أوسع من الانتماءات الضيقة.
فإذا اتسعت النفوس اتسع الوطن. وإذا اتسع العقل اتسعت السياسة. وإذا استعاد القانون مكانته تراجع السلاح. وإذا تحولت الجودية من حكمة اجتماعية إلى ثقافة سياسية مؤسسية، واستعاد الدين قيمته الأخلاقية، واستعاد التعليم وظيفته في صناعة العقل، وأصبحت المواطنة معيار الحقوق، يمكن للوطن أن يخرج من دائرة إعادة إنتاج الأزمة.
abudafair@hotmail.com
