كتب دكتور ياسين الخكيم
ليست كل الحركات المفاجئة التي تُلقى في أحضان الشاشات علامة عافية، ولا كل مظاهر “العفوية” دليلاً على الاقتراب من الشارع؛ فذلك معلوم في أدبيات السياسة وإدارة الأزمات، فالقيادة في محطات الشعوب الفاصلة ليست شخصاً يُمارس حياته العادية، لكنها “رمزية سيادية” تجسد استقرار الأمة، وأي تعريضٍ غير محسوب لهذه الرمزية هو بالضرورة تعريضٌ مباشر للأمن القومي برُمّته.
ولعل ما تداولته بعض المنصات الرقمية مؤخراً من مقاطع فيديو لرئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وهو يمارس الرياضة في أحد المواقع، يضعنا أمام حالة نموذجية لما يمكن تسميته بالنشر الذي يضر أكثر مما ينفع ؛ فمهما كانت نوايا القائمين عليه تتزيّن بظاهر الرغبة في بث الطمأنينة، إلا أن باطنه يحمل من السوء والخطورة ما لا يمكن للوعي الأمني السليم أن يمر عليه مر الكرام.
إن الخطورة الحقيقية ههنا لا تكمن في المادة المصورة في ذاتها فحسب، وإنما في العمق الدلالي والأمني لكيفية التقاطها وتسريبها؛ إنها كشفت بلا رتوش عن اختراقٍ واضح للدائرة المقربة للرئيس، وعن قدرة شخص ما في المحيط الأمني على تجاوز البروتوكولات وتسجيل مشاهد—بعضها لا يصلح للنشر حتى في أضيق النطاقات الخاصة—ثم القذف بها في أتون الفضاء الرقمي الممتد.
ومما يضاعف أبعاد هذه الكارثة، أننا نعيش في عصرٍ أضحت فيه الصورة سلاحاً لا يقل ضراوةً عن المدفع والرشاش؛ وإن اختلفت الميادين والتكتيكات. إن اقتطاع هذه المشاهد وتداولها بلا ضوابط يفتح باباً أسرع لولادة الشائعات، وتغبيش الحقائق، وإفساح المجال لغرف الحرب النفسية لتأويل المقاطع واقتطاعها من سياقها لإثارة البلبلة والتشكيك.
وهذا لعمري إثبات صريح لهشاشة أمنية وتراخٍ في أدنى درجات الحيطة والحذر حول رأس الدولة، إذ إن العدسة التي استطاعت اليوم أن تتسلل لتصوير القيادة بعيداً عن أعين الرقابة الصارمة، قد تفُتح غداً ثقباً في جدار الأمان لا يُحمد عقباه، علماً بأن التجارب الوطنية الممتدة علمتنا حقيقة ثابتة لا تقبل التشكيك: أن الحفاظ على القائد وصيانة هيبته هو خط الدفاع الأول عن بقاء الدولة وسيادتها.
إن التعاطي مع تحركات رأس الدولة بعبثية مستترة تحت عباءة “الإعلام الرقمي” يُسقط هيبة المؤسسة السيادية، ويقدم للمتربصين قراءاتٍ مجانية عن ثغرات المنظومة الأمنيّة، وهو ما يستوجب تحركاً حازماً لا مداهنة فيه ولا تسويف؛ يبتدئ بالكشف العاجل عن هوية من سجل وهندس هذا التسريب ومحاسبته محاسبة تُعيد للهيبة نصابها، ولا ينتهي عند الحذف الفوري لهذه المقاطع وملاحقة كل من يتعمد نشرها مساساً بالسيادة، إذ إن أمن القائد ليس ملكاً شخصياً يُدار بالاجتهادات الفردية، بل هو ملكٌ للوطن، وأي خرقٍ فيه هو مساسٌ مباشرٌ بكرامة أمة بأكملها.
