الإثنين, أغسطس 3, 2026
الرئيسيةمقالاتصرير القلم :د. معاوية عبيد الأكل على دماء الشهداء. ليست...

صرير القلم :د. معاوية عبيد الأكل على دماء الشهداء. ليست كل معركة تنتهي بانتهاء صوت الرصاص،


فبعض المعارك تبدأ بعد أن يسكن غبارها ،هناك معركة أخرى تدور في المكاتب وعلى المنصات وفي دهاليز المصالح بين من حمل روحه على كفه دفاعاً عن وطنه وبين من حمل حقيبة المصالح ليقتات على دماء أولئك الشهداء
لقد سطر شهداء معركة الكرامة صفحات من التضحية ستظل خالدة في وجدان الشعب السوداني، خرجوا من بيوتهم ولم يطلبوا جاهاً ولا منصباً ولا مكسباً وإنما حملوا أرواحهم فداءً للوطن مؤمنين بأن الأرض التي تُروى بالدماء الزكية لا يجوز أن تُباع في أسواق المصالح
غير أن التاريخ يحدثنا دائماً أن كل قضية عادلة تحاول فئة من الانتهازيين أن تتسلقها، فبينما كانت البنادق في الميدان كانت هناك وجوه تنتظر نهاية المعركة لتبدأ معركتها الخاصة معركة جمع المكاسب واحتكار الشعارات والمتاجرة باسم الشهداء ورفع لافتات دعم القوات المسلحة بينما الحقيقة أن همها الأول هو تحقيق النفوذ والمصلحة الشخصية ،هؤلاء لا يعرفون الشهداء إلا حين تصبح أسماؤهم وسيلة لفتح الأبواب ولا يتذكرون الأيتام إلا عندما تكون صورهم جسراً للحصول على الدعم ولا يزورون أسر الشهداء إلا إذا كانت الكاميرات حاضرة ولا يتحدثون عن الوطن إلا إذا كان الحديث يقود إلى منصب أو امتياز أو منفعة وقد وصف الشعر العربي هذا المشهد منذ زمن بعيد فكتب نزار قباني منتقداً من يحولون القضايا الكبرى إلى تجارة بينما يصنع غيرهم المجد بدمائهم (قصيدة هوامش على دفتر النكسة ) و يُعد نزار قباني من أبرز من هاجموا المتاجرين بالقضايا والذين يجلسون في المقاهي والمناصب بينما يسيل دم الأبرياء في الميدان حيث يقول في قصيدته الشهيرة متحدثاً عن هذه الفئة الانتهازية:
يَا وَطَنِي الحَزِينْ
لَقَدْ حَوَّلُوكَ بِلَمْحِ البَصَرْ
مِنْ كِبْرِيَاءِ المَقَاتِلْ .. إِلَى مُعَامَلَةٍ لِلتِّجَارَةْ
نَحْنُ نَفْخَخُ أَنْفُسَنَا
وَنَمُوتُ لِتَحْيَا المَكَاسِبْ
وَيَأْكُلُ غَيْرُنَا الثِّمَارْ
كما أشار تميم البرغوثي إلى أن الثورات يصنعها الشجعان ثم يأتي المترددون بعد انتهائها لاقتسام الغنائم ، حيث كتب البرغوثي (قصيدة “نَفَسْ”) في الشعر المعاصر جداً يصف فيها بدقة كيف تتحول الثورات والتضحيات إلى مغانم للانتهازيين الذين لم يشاركوا في المعارك:
الثَّوْرَةُ يَصْنَعُهَا الشُّجْعَانْ
وَيَمُوتُ فِيهَا الأَفْضَلُونْ
ثُمَّ يَأْتِي لِجَنْيِ الأَرْبَاحِ الخَائِفُونْ
الجَالِسُونَ فِي الظِّلِّ
يَقْتَسِمُونَ دَمَ الشَّهِيدِ حِصَصَاً وَأَسْهُمَاً!
إنها سنة تتكرر كلما غابت الرقابة وضعف الضمير ،إن أخطر ما يهدد تضحيات الشهداء ليس العدو وحده وإنما من يختطف رسالتهم ويحولها إلى تجارة فدم الشهيد ليس بطاقة عبور إلى المناصب وليس مشروعاً للاستثمار السياسي أو الاجتماعي وليس وسيلة لجمع الأموال أو صناعة الأمجاد الشخصية ،إن الوفاء الحقيقي للشهداء لا يكون بالخطب الرنانة ولا بالصور ولا باللافتات وإنما يكون برعاية أسرهم وحفظ حقوقهم وإعمار الوطن الذي استشهدوا من أجله وبناء مؤسسات نزيهة تحارب الفساد والانتهازية وتمنع كل من يحاول الاتجار بتضحياتهم .
من الإنصاف ونحن ننتقد الانتهازية والمتاجرة بدماء الشهداء ألا نعمم الحكم فكما أن هناك من اتخذ من تضحيات الشهداء سلماً للمصالح فإن هناك رجالاً ونساءً صدقوا ما عاهدوا الله عليه وحملوا أمانة الشهداء بإخلاص وتجرد ،فهناك مؤسسات وطنية وخيرية ومبادرات مجتمعية وأفراد آثروا أن يكونوا خير خلف لخير سلف فجعلوا رعاية أسر الشهداء والجرحى واجباً دينياً ووطنياً لا ينتظرون عليه جزاءً ولا شكوراً مستلهمين هدي النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتبن… وأشار بالسبابة والوسطى وفرّج بينهما شيئاً،
وهؤلاء لا يتاجرون بدم الشهيد بل يصونون رسالته ويحفظون مكانته ويخففون عن أسرته آلام الفقد ويؤكدون أن المجتمع الوفي لا ينسى أبناءه الذين قدموا أرواحهم فداءً للوطن ، إنهم يعملون في صمت بعيداً عن الأضواء لأنهم يدركون أن الوفاء للشهداء ليس شعاراً يُرفع وإنما مسؤولية تُؤدى وأمانة تُحفظ ، إن الفارق بين المخلص والانتهازي واضح ، فالمخلص يرى في خدمة أسر الشهداء ديناً ووفاءً أما الانتهازي فيراها فرصة للظهور أو وسيلة لتحقيق النفوذ والمكاسب ، وبين هذين النموذجين يظل ضمير الأمة قادراً على التمييز ويظل التاريخ أكثر عدلاً من كل حملات التزييف فيخلد أصحاب التضحية والإخلاص، ويطوي صفحات أولئك الذين حاولوا أن يأكلوا على موائد الشهداء،وأن يجعلوا من دمائهم تجارةً وموسماً للمصالح
لقد ضحى أبناء السودان بأغلى ما يملكون فليس من الوفاء أن تتحول دماؤهم إلى وسيلة للارتزاق ومن حق الشعب أن يميز بين من خدم الوطن بصمت وإخلاص وبين من جعل من الوطنية سلعة ومن الشهادة شعاراً ومن التضحيات موسماً للمكاسب سيظل الشهيد شهيداً يكتب التاريخ اسمه بحروف من نور أما الانتهازي فلن يذكره التاريخ إلا باعتباره عابراً اقتات على تضحيات غيره لأن الأوطان تبنى بسواعد المخلصين لا بألسنة المتاجرين ولأن دماء الشهداء أمانة في أعناق الأحياء وليست غنيمة يتقاسمها أصحاب المصالح
رحم الله شهداء السودان، وجزى الله خيراً كل من وقف مخلصاً مع قواته المسلحة وحفظ الوطن من كل من أراد به سوءاً سواء حمل السلاح في وجهه أو ارتدى ثوب الوطنية ليخفي وراءه تجارة المصالح

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات