إسماعيل شريف
قبل أسابيع، كتبت في هذا المكان مقالًا بعنوان “ترس الشمال… وخنق الاقتصاد”، حاولت فيه قراءة التحول الذي طرأ على مفهوم “الترس” في السودان، وكيف تجاوز كونه متراسًا من الحجارة يغلق طريقًا إلى أداة قادرة على التأثير في حركة التجارة، وإرباك الاقتصاد، وإرسال رسائل سياسية تتجاوز حدود المكان الذي يُقام فيه. يومها لم يكن السؤال عن الطريق المغلق، بل عن الدولة التي أصبح الطريق المغلق يتحدث باسمها، أو يعوض غيابها.
اليوم يعود “الترس” إلى الواجهة من جديد، لكن بثوب أكثر اتساعًا. فقد كتب الأستاذ الجميل الفاضل مقالًا لافتًا بعنوان “ترس السودان وما أدراك ما ترس السودان؟!” أعاد فيه قراءة هذا الرمز، لا باعتباره مجرد وسيلة احتجاج، وإنما بوصفه فكرة سودانية خالصة ولدت في شوارع أكتوبر 1964، وترعرعت في ساحات ديسمبر 2018، قبل أن تبلغ ــ في نظره ــ مرحلة جديدة من النضج، حين انتقلت من حماية الثورة إلى حماية الحدود والثروات الوطنية.
هذه قراءة تستحق التأمل، لأنها لا تتحدث عن الحجارة، وإنما عن المعنى الكامن خلفها. فالترس في الوجدان السوداني لم يكن يومًا مجرد جسم صامت يوضع في عرض الطريق، بل كان إعلانًا بأن الشارع قرر أن يمارس دوره حين تعجز السلطة عن أداء دورها. ولذلك ارتبط الترس في ذاكرة السودانيين بالشجاعة، وبحماية المعتصمين، وبإرادة الشباب الذين وقفوا بأجسادهم أمام الرصاص دفاعًا عن حلم وطن جديد.
غير أن التاريخ لا يمنح الرموز معناها مرة واحدة، بل يعيد تشكيلها مع كل منعطف. فالترس الذي وُلد لحماية الثورة من بطش السلطة، أصبح اليوم يُستدعى ليؤدي وظيفة مختلفة تمامًا؛ فهو لم يعد يحرس اعتصامًا، وإنما يُراد له أن يحرس حدودًا، ولم يعد يواجه قرارًا داخليًا، وإنما يُوظف في سياق علاقة مع دولة مجاورة، وفي ملف تتداخل فيه السياسة والاقتصاد والسيادة.
وهنا، ربما لا يكون السؤال: هل تطور الترس؟ وإنما: ماذا جرى للدولة حتى تمددت وظائف الترس إلى هذا الحد؟
لقد كان الجميل الفاضل محقًا وهو يتتبع السيرة التاريخية لهذا الرمز، لكنني أعتقد أن القصة لا تكتمل إلا إذا أضفنا إليها وجهها الآخر. فالترس لم يكبر وحده، بل كبر أيضًا الفراغ الذي تركته الدولة. وكلما اتسع هذا الفراغ، وجد المجتمع نفسه مضطرًا إلى ابتكار أدوات جديدة لملئه. وما كان في الأمس وسيلة لحماية الثوار، أصبح وسيلة لحماية الموارد، ثم أداة للضغط الاقتصادي، ثم خطابًا عن السيادة الوطنية.
وهنا تحديدًا تعود بي الذاكرة إلى ما كتبناه في “ترس الشمال… وخنق الاقتصاد”. فقد كان جوهر المقال أن أخطر ما في الترس ليس الحجارة التي تسد الطريق، وإنما الرسالة التي تقول إن المجتمع بدأ يؤدي وظائف كان يفترض أن تنهض بها مؤسسات الدولة. واليوم يبدو أن هذه الرسالة أصبحت أكثر وضوحًا. فالحديث لم يعد عن طريق يربط مدينة بأخرى، وإنما عن معابر حدودية، وعن تجارة إقليمية، وعن علاقات بين دول.
إن الدفاع عن الثروات الوطنية حق لا ينازع فيه أحد، كما أن رفض أي تجاوز على السيادة أمر يلتف حوله السودانيون جميعًا. لكن يبقى السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه: هل تتحقق السيادة حين تتولى المبادرات الشعبية إدارة ملفات الحدود، أم حين تمتلك الدولة من القوة والشرعية والكفاءة ما يجعلها قادرة على حماية حدودها وثرواتها بنفسها؟
إن الأمم لا تُقاس فقط بقدرة شعوبها على المقاومة، وإنما أيضًا بقدرة مؤسساتها على أن تجعل تلك المقاومة استثناءً لا قاعدة. فحين يصبح المجتمع هو الذي يغلق الطرق، ويحرس الحدود، ويضغط اقتصاديًا، ويبعث الرسائل السياسية، فإن ذلك يعكس بلا شك حيوية المجتمع، لكنه يكشف في الوقت نفسه مقدار التراجع الذي أصاب الدولة.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق الذي ينبغي أن نتوقف عنده. فبين “ترس الشمال” الذي ناقشنا أثره الاقتصادي، و”ترس السودان” الذي يراه الجميل الفاضل تعبيرًا عن سيادة شعبية جديدة، لا تتغير الحجارة بقدر ما تتغير الأسئلة. لم يعد السؤال: من أقام الترس؟ وإنما: لماذا أصبح الترس يؤدي أدوار الدولة؟
قد يكون الترس أحد أنبل رموز النضال السوداني، وقد يبقى حاضرًا في الذاكرة الوطنية طويلًا، لكن نجاح أي ثورة لا يُقاس بعدد المتاريس التي تبنيها، وإنما بعدد المتاريس التي لم يعد الناس بحاجة إلى بنائها لأن الدولة أصبحت تقوم بما خرجوا من أجله منذ البداية.
ولهذا فإن ما يحدث اليوم على الحدود، مهما اختلفت المواقف حوله، ينبغي ألا يُقرأ بوصفه مجرد واقعة سياسية عابرة، بل باعتباره علامة على مرحلة جديدة في تاريخ السودان؛ مرحلة تتسع فيها أدوار المجتمع كلما ضاقت أدوار الدولة. والسؤال الذي سيبقى مطروحًا بعد أن تُفتح المعابر، وتهدأ الضوضاء، وتنتهي الأزمة، ليس ما إذا كان “الترس” قد نجح أو أخفق، وإنما ما إذا كان السودان قد اقترب من استعادة الدولة التي تجعل وجود الترس، بكل رمزيته وجلاله، ذكرى نضالية يُحتفى بها، لا ضرورة يومية يفرضها غياب المؤسسات.
