السبت, يوليو 11, 2026
الرئيسيةمقالاتلا تُعالَج أخطاء التجارة بخنق الوطن ...

لا تُعالَج أخطاء التجارة بخنق الوطن بقلم/ عبدالقادر عمر محمد عبدالرحمن

في الأيام الماضية عاد الحديث عن إغلاق الطريق القومي في شمال السودان تحت شعار وقف الصادرات إلى مصر بحجة عدم تكافؤ التبادل التجاري بين البلدين.
قد يختلف الناس حول السياسات التجارية، وقد تكون هناك مطالب مشروعة تتعلق بحماية المنتج الوطني أو مراجعة الاتفاقيات الاقتصادية، فهذا حق يكفله النقاش المسؤول.
لكن تحويل هذا الخلاف إلى إغلاق للطريق وتعطيل لحركة التجارة والإمدادات هو انتقال من معالجة المشكلة إلى صناعة مشكلة أكبر.
فالطريق القومي ليس ملكاً لفئة أو منطقة، بل هو شريان حياة لدولة بأكملها.
وكل ساعة يُغلق فيها هذا الشريان تعني خسائر للمزارعين، وللمصدرين، وللناقلين، وللدولة، وتعني تراجعاً في تدفق النقد الأجنبي الذي يحتاجه الاقتصاد السوداني في هذه الظروف الصعبة.
إن من يريد حماية الاقتصاد لا يبدأ بخنقه.
ومن يريد تقوية الدولة لا يعطل مرافقها الحيوية.
ومن يريد إصلاح السياسات لا يعاقب ملايين المواطنين الذين لا علاقة لهم بالخلاف.
وإلى شبابنا الذين يشاركون في مثل هذه التحركات بدافع الحماس أو الغيرة على الوطن، نقول: إن حب السودان لا يُقاس بإغلاق الطرق، وإنما بحماية مصالحه. لا تسمحوا لأحد أن يستغل حماسكم ليجعلكم أداة في معركة قد تكون نتائجها كارثية على اقتصاد بلدكم. فكل شاحنة تُمنع من العبور، وكل صادرات تتوقف، وكل طريق يُغلق، يدفع ثمنه المواطن السوداني قبل أي طرف آخر.
أما الذين يقفون خلف مثل هذه التحركات، إن كانوا يعلمون ما يفعلون، فإنهم يتحملون مسؤولية وطنية وأخلاقية جسيمة. وإن كانوا يظنون أنهم يضغطون لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية، فهم في الحقيقة يضغطون على رقاب السودانيين ويزيدون معاناتهم. فلا يجوز أن تتحول المصالح الوطنية إلى رهينة لمخططات أو حسابات ضيقة، أياً كان مصدرها أو دوافعها.
إن الاعتراض حق، لكن تعطيل مصالح الناس ليس حقاً.
والمطالبة بمراجعة الاتفاقيات أمر مشروع، لكن فرض الرأي بإغلاق الطرق يفتح باباً خطيراً قد يدفع كل مجموعة إلى استخدام الأسلوب نفسه لتحقيق مطالبها، وعندها لن تبقى دولة تُدار بالقانون، بل ساحة مفتوحة للفوضى.
اليوم يمر السودان بواحدة من أصعب مراحله الاقتصادية، وكل جنيه يدخل عبر الصادرات يمثل دعماً لاستقرار الاقتصاد، وكل شاحنة تُمنع من العبور تعني خسارة جديدة لوطن لا يحتمل المزيد من النزيف.
إن السودان أكبر من أن يُبتز بإغلاق طريق، وأقوى من أن تكسره مثل هذه الأساليب. فقد مر هذا الوطن بمحن أشد، وبقي واقفاً بفضل وعي شعبه وتمسكه بوحدته.
ومن يراهن على إضعاف الدولة عبر تعطيل شرايينها الاقتصادية، فهو يراهن على وهم. لأن السودان لن يبنيه إلا أبناؤه المخلصون، ولن يحميه إلا الذين يضعون مصلحته فوق كل اعتبار، ويرفضون أن يكونوا أدوات في أي مخطط يزرع الفوضى ويعمق الأزمة.
إن الحفاظ على انسياب التجارة وحركة النقل ليس دفاعاً عن دولة أخرى، وإنما دفاع عن السودان أولاً وأخيراً.
أما أي مظالم أو اختلالات في العلاقات التجارية، فمكانها طاولة التفاوض، والدراسات الاقتصادية، وقرارات الدولة، لا إغلاق الطرق ولا تعطيل مصالح المواطنين.
الوطن اليوم يحتاج إلى العقول التي تبني، لا إلى الأيدي التي تغلق الطرق، ويحتاج إلى الحوار المسؤول، لا إلى الإجراءات التي تزيد جراح الاقتصاد عمقاً.
فليكن اختلافنا في الرأي سبباً للإصلاح، لا سبباً في إضعاف الدولة التي تجمعنا جميعاً.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات