تقرير : المجد نيوز
في مرحلة ما بعد الحرب، حين تبدأ المدن في استعادة أنفاسها الثقيلة تحت وطأة الدمار والذاكرة، يتضح أن التحدي الأكبر لا يكمن في إعادة إعمار البنية المادية فحسب، بل في إعادة بناء الإنسان نفسه واستعادة قدرته على التوازن النفسي والاجتماعي والاندماج مجدداً داخل مجتمعه. وفي ولاية الخرطوم، التي تركت الحرب على نسيجها الاجتماعي آثاراً عميقة، تبرز المراكز الاجتماعية كأحد أهم الأدوات القادرة على قيادة مسار التعافي وإعادة التماسك المجتمعي.
*ركيزة أساسية
وفي هذا السياق، أكد صديق حسن فريني، الوزير المكلّف بوزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم، أن المراكز الاجتماعية تمثل ركيزة أساسية في مرحلة ما بعد الحرب، نظراً لدورها في تعزيز التماسك الاجتماعي وإعادة بناء النسيج المجتمعي، إلى جانب مساهمتها في معالجة الآثار النفسية والاجتماعية التي خلفتها الحرب، عبر توفير مساحات للحوار والتواصل وإعادة دمج الفئات المتأثرة داخل المجتمع.
ويأتي هذا التوجه ضمن رؤية تهدف إلى تطوير دور المراكز الاجتماعية لتتحول من مؤسسات خدمية تقليدية إلى منصات تدخل اجتماعي متكاملة تجمع بين الدعم النفسي والتأهيل والتدريب وبناء شبكات الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر هشاشة، بما يعزز قدرتها على الاستجابة لتحديات مرحلة ما بعد النزاع.
*تحول في بنية العمل الاجتماعي
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن المراكز الاجتماعية في ولاية الخرطوم تشهد تحولاً جوهرياً في وظائفها، إذ لم تعد تقتصر على تقديم خدمات محدودة، بل أصبحت فضاءات متعددة الأدوار تسهم في إعادة بناء الروابط الاجتماعية التي تضررت بفعل الحرب، وتوفير بيئات آمنة تعزز التفاعل المجتمعي وتدعم عمليات التعافي.
ويرى مختصون في الشأن الاجتماعي أن هذه المراكز تمثل بنية تحتية اجتماعية لا تقل أهمية عن مشروعات إعادة الإعمار المادي، لأنها تتعامل مع آثار الحرب غير المباشرة، مثل التفكك الأسري، والاضطرابات النفسية، وضعف الثقة داخل المجتمع، وهي تحديات تستلزم معالجات طويلة الأمد لضمان استقرار المجتمعات المحلية.
*مركز 38 بأمبدة.. نموذج للتعافي المجتمعي
وفي سياق هذه الجهود، يبرز مركز 38 بمنطقة أمبدة كنموذج عملي لجهود إعادة تفعيل المراكز الاجتماعية، حيث شهد خلال الفترة الأخيرة إعادة تأهيل مكنته من استئناف برامجه الخدمية والتدريبية بعد توقف فرضته تداعيات الحرب.
وبات المركز يشكل نقطة ارتكاز مهمة لسكان المنطقة في ظل تزايد الحاجة إلى خدمات الدعم النفسي والاجتماعي وبرامج التدريب المهني التي تستهدف النساء والشباب والفئات الأكثر تأثراً بالحرب.
وتوضح زليخة آدم، إحدى العاملات بالمركز، أن إعادة تشغيل المركز أسهمت في استعادة العديد من الأنشطة المجتمعية التي افتقدها السكان خلال فترة الحرب، مشيرة إلى أن الإقبال المتزايد على البرامج والأنشطة يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه المؤسسات في مرحلة التعافي وإعادة الاستقرار المجتمعي.
ومن جانبها، تؤكد عواطف إسماعيل، وهي من المستفيدات من برامج المركز، أن الأنشطة التدريبية وبرامج التأهيل وفرت فرصاً لاكتساب مهارات جديدة والاستفادة من البرامج الموجهة للنساء، الأمر الذي ساعد في تعزيز الثقة بالنفس وفتح آفاق جديدة لتحسين الأوضاع المعيشية.
أما الطاف الطيب، إحدى المستفيدات من خدمات المركز، فترى أن المركز أصبح مساحة مهمة للتواصل والتفاعل الاجتماعي بعد فترة طويلة من العزلة والاضطراب التي فرضتها ظروف الحرب، لافتة إلى أن البرامج المقدمة أسهمت في تعزيز روح التعاون والتكافل بين النساء داخل المجتمع المحلي.
الدعم النفسي والتمكين الاقتصادي
وتتجه برامج المراكز الاجتماعية حالياً نحو تعزيز التدخلات النفسية والاجتماعية في ظل تزايد الحاجة إلى معالجة آثار الحرب على النساء والأطفال والنازحين، بالتوازي مع إدخال برامج تدريب مهني تستهدف تمكين الشباب اقتصادياً وتحسين فرصهم في الحصول على مصادر دخل مستدامة.
ويؤكد خبراء التنمية المجتمعية أن الدمج بين الدعم النفسي والتمكين الاقتصادي يمثل أحد أكثر النماذج فعالية في بيئات ما بعد النزاع، لأنه يربط بين استعادة التوازن النفسي للفرد وقدرته على العودة إلى دائرة الإنتاج والمشاركة المجتمعية.
ويشير مختصون إلى أن النساء لعبن دوراً محورياً في الحفاظ على تماسك الأسر والمجتمعات خلال فترة النزاع، الأمر الذي يجعل مشاركتهن في برامج التعافي وإعادة البناء عاملاً أساسياً في نجاح جهود التنمية الاجتماعية خلال المرحلة المقبلة.
*نحو إعادة إعمار الإنسان
وتعكس تجربة المراكز الاجتماعية في ولاية الخرطوم تحولاً واضحاً في مفهوم إعادة الإعمار، حيث لم يعد الأمر يقتصر على إعادة تأهيل المباني والخدمات، بل أصبح مشروعاً متكاملاً يستهدف إعادة بناء الإنسان واستعادة قدرته على التفاعل والإنتاج والمشاركة في الحياة العامة.
ومع استمرار التحديات المرتبطة بالتمويل والكوادر واستدامة البرامج، تظل المراكز الاجتماعية واحدة من أهم أدوات التعافي المجتمعي، بما توفره من مساحات للدعم النفسي والتأهيل والتمكين، وبما تضطلع به من دور في إعادة بناء الثقة وتعزيز التماسك الاجتماعي، وهو ما يجعلها شريكاً أساسياً في جهود إعادة الإعمار والتنمية بولاية الخرطوم خلال المرحلة المقبلة.
