يُعدّ ملف “حزب الله” حالياً أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسيةً في مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية الجارية (يونيو 2026)، بل يمكن اعتباره “مقياس استقرار” للاتفاقيات المبدئية التي تم التوصل إليها.
واقع هذا الملف وتأثيره على احتمالات الصراع
أولاً: الفجوة بين النص والميدان
أرست مذكرة تفاهم إسلام آباد (18 يونيو 2026) دعوةً صريحةً لوقف فوري للأعمال العدائية، إلا أن هذه المذكرة تفتقر إلى آلية إلزام لإسرائيل، التي تُصرّ على أنها غير ملزمة بالاتفاق وتعتبر عملياتها في جنوب لبنان “دفاعاً عن النفس”. يُخلق هذا الواقع فجوةً عميقةً بين التوقعات الإيرانية بانسحاب إسرائيلي كامل من جنوب لبنان، وبين الواقع الميداني الذي لا يزال يشهد اشتباكات بين إسرائيل وحزب الله.
ثانياً: اختبار النفوذ الإيراني
يمثّل هذا الملف اختباراً حقيقياً لقدرة طهران على ضبط “محور المقاومة” في وقت تسعى فيه إلى التوصل لاتفاق شامل مع واشنطن. فبالنسبة لإيران، يُعدّ ملف حزب الله ركيزةً استراتيجيةً أساسية، بينما تضغط واشنطن بالتنسيق مع تل أبيب لنزع سلاح الحزب أو تحجيم دوره وقدراته العسكرية، بما يضمن أمن الحدود الشمالية لإسرائيل.
ثالثاً: تداخل الأزمات
من الواضح أن ملف حزب الله لا يُفاوَض عليه بوصفه قضيةً منفصلة، بل يرتبط بملفات استراتيجية أخرى أشد تعقيداً، كالبرنامج النووي الإيراني، والعقوبات النفطية، وفك الأصول المجمدة، وأمن الملاحة في مضيق هرمز. وأي تعثّر على الجبهة اللبنانية يهدد بانهيار المسار الدبلوماسي برمّته.
هل يمكن أن يكون ملف “حزب الله” سبباً لاندلاع حرب جديدة؟
الإجابة نعم، إذ ثمة مخاطر جدية تجعل من هذا الملف “فتيلاً” محتملاً لتفجير الأوضاع مجدداً:
أولاً: هشاشة وقف إطلاق النار
الميدان في لبنان لا يزال مشتعلاً، وأي تصعيد إسرائيلي مكثف أو ردّ فعل نوعي من حزب الله قد يُعدّ خرقاً لمذكرة التفاهم الموقّعة من الجانبين، مما يمنح الأطراف المتشددة في كلا الجانبين (واشنطن وطهران) ذريعةً لتعليق المفاوضات أو إلغائها والعودة إلى الخيار العسكري.
ثانياً: غياب الأطراف المباشرة
الأطراف المعنية بالقتال، إسرائيل وحزب الله، ليستا طرفاً على طاولة المفاوضات، مما يجعل أي اتفاق بين واشنطن وطهران عُرضةً للتقويض بفعل تطورات ميدانية خارجة عن سيطرة “غرف المفاوضات” في سويسرا أو إسلام آباد.
ثالثاً: خلية فضّ الاشتباك
في محاولة لتفادي هذا السيناريو، جرى الاتفاق مؤخراً (22 يونيو 2026) على إنشاء “خلية لفضّ الاشتباك” تضم واشنطن وطهران وبيروت. الهدف الأساسي لهذه الخلية هو منع تحوّل المناوشات اليومية إلى حرب إقليمية شاملة. ونجاح أو فشل هذه الخلية سيكون العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت المنطقة ستتجه نحو التهدئة أم الانزلاق نحو حرب جديدة.
الخلاصة
الموقف الراهن هو حالة من “لا حرب ولا سلم”، حيث يعمل الطرفان، أمريكا وإيران، على احتواء التوتر اللبناني كي لا يُجهض الاتفاق النووي والسياسي الأوسع. ومع ذلك، يظل حزب الله “الثغرة الأمنية” التي قد تؤدي في أي لحظة إلى قلب الطاولة، لا سيما مع تضارب المصالح الإسرائيلية مع المخرجات المتوقعة لهذه المفاوضات.
بقلم / عميد شرطة (حقوقي) م.
محمد علي عبدالله عبد الدائم
