الأحد, يونيو 21, 2026
الرئيسيةأخبار الساعة"زول خير".. شهادة في حضرة الإنسانية السودانية

“زول خير”.. شهادة في حضرة الإنسانية السودانية


أمدرمان: حفية نورالدائم
في الأزمنة العصيبة تُختبر المعادن الحقيقية للناس، وتبرز من بين الركام حكايات لا تصنعها المؤسسات وحدها، بل يكتبها أفراد اختاروا أن يكونوا سنداً لغيرهم في لحظات الخوف والجوع والضياع. وخلال سنوات الحرب التي عصفت بالسودان، لم تكن مشاهد الدمار هي الصورة الوحيدة، إذ برزت في المقابل نماذج إنسانية استثنائية جعلت من العطاء أسلوب حياة، ومن خدمة الآخرين رسالة يومية.
ومن هنا جاءت مبادرة “زول خير” التي أطلقتها الشركة السودانية للهاتف السيار (زين)، لتوثق جانباً مضيئاً من المشهد السوداني، وتعيد تسليط الضوء على أولئك الذين اختاروا الوقوف إلى جانب مجتمعاتهم في أكثر الأوقات قسوة.
وفي احتفال احتضنه مركز أم درمان الثقافي، كرّمت زين الفائزين في الموسم الثالث من المسابقة تحت شعار “رشّح زول الخير وانشر الخير”، بحضور ممثل والي ولاية الخرطوم وزير التنمية الاجتماعية الأستاذ صديق حسن فريني، ووزير الثقافة والإعلام الأستاذ الطيب سعد الدين، إلى جانب قيادات تنفيذية وإعلامية ومجتمعية، وحشد من المهتمين بالشأن الإنساني.
ولم يكن الحفل مجرد مناسبة لتوزيع الجوائز، بقدر ما كان احتفاءً بقيم التكافل والتراحم التي ظلت حاضرة في وجدان السودانيين رغم ظروف الحرب وما خلفته من أزمات إنسانية واقتصادية واجتماعية معقدة.
من الناس… وإلى الناس
أكدت شركة زين أن مبادرة “زول خير” تمثل إحدى أبرز برامج المسؤولية المجتمعية التي تتبناها الشركة، انطلاقاً من إيمانها بأن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان، وأن المجتمعات القوية تُبنى على قيم التعاون والتضامن.
وأوضح المهندس محمد عبدالحميد مرسد، مدير قطاع تخطيط وتطوير مشاريع الشبكة بالشركة، أن المبادرة تقوم على فلسفة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد؛ إذ يرشح المجتمع بنفسه الأشخاص الذين أحدثوا أثراً إيجابياً في محيطهم، ثم يعود المجتمع ذاته ليختار الفائزين عبر التصويت العام.
وأشار إلى أن دور زين لا يقتصر على خدمات الاتصالات، وإنما يمتد إلى دعم المبادرات التي تعزز التماسك المجتمعي وتمنح الأمل للناس في أوقات الأزمات، مؤكداً أن الشركة ستواصل الاستثمار في البرامج ذات الأثر الإنساني المستدام.
أرقام تعكس حجم التفاعل
شهد الموسم الثالث إقبالاً لافتاً من مختلف ولايات السودان، حيث استقبلت المبادرة 1545 ترشيحاً لأفراد ومبادرات مجتمعية قدمت خدمات إنسانية متنوعة خلال فترة الحرب.
وخضعت هذه الترشيحات لمراحل متتابعة من التقييم والفرز بإشراف لجنة تحكيم مستقلة برئاسة البروفيسور عبداللطيف البوني، بدأت بتقليص القائمة إلى 250 مبادرة، ثم إلى 100 نموذج، وصولاً إلى عشرة مرشحين نهائيين، قبل اختيار خمسة فائزين جسدوا نماذج بارزة في العطاء المجتمعي.
كما شهدت مرحلة التصويت النهائي تفاعلاً واسعاً عبر منصات التواصل الاجتماعي، إذ تجاوزت مشاهدات منشور التصويت على الصفحة الرسمية لشركة زين في فيسبوك خمسة ملايين مشاهدة، فيما شارك أكثر من 81 ألف صوت في اختيار الفائزين، في مؤشر واضح على حجم التفاعل الشعبي مع المبادرة ورسالتها الإنسانية.
أبطال من قلب المعاناة
خلف كل اسم من الأسماء الفائزة قصة طويلة من البذل والصبر والعمل في صمت.
فقد حصدت سوهندا عبدالوهاب المركز الأول بعد أن تحولت مبادرتها إلى ملاذ لعشرات الأسر المحتاجة، حيث واصلت تقديم الغذاء والدعم الإنساني للمتضررين في مناطق النزوح والحصار، مؤكدة أن العطاء لا تحده الجغرافيا ولا تعرقله الظروف.
وجاء محمد أحمد إبراهيم في المركز الثاني تقديراً لإسهاماته المجتمعية ومشاركته الفاعلة في دعم المتضررين خلال فترة الحرب.
أما الدكتور أشرف سليمان إلياس فقد نال المركز الثالث بعد دوره المحوري في دعم القطاع الصحي بمدينة رفاعة، عبر توفير الأدوية والمستهلكات الطبية وضمان استمرار خدمات غسيل الكلى في ظروف بالغة التعقيد.
وضمت قائمة المكرمين كذلك محمد علي خالد (أبو الخير) الذي قاد واحدة من أبرز المبادرات الإنسانية في أم درمان، وواصل تقديم الوجبات اليومية والمواد التموينية للأسر المحتاجة، مؤكداً أن التكافل الشعبي كان أحد أعمدة الصمود خلال الأزمة.
كما برز اسم عثمان بشير الجندي، مؤسس تكية “فكة ريق”، التي تحولت خلال الحرب إلى نموذج حي للتكافل المجتمعي، مستندة إلى جهود المتطوعين والخيرين في تقديم الغذاء والدعم الإنساني.
التكريم لكل أصحاب المبادرات
وفي كلمة ألقاها نيابة عن الفائزين، أكد الأستاذ عثمان الجندي أن هذا التكريم لا يخص الفائزين وحدهم، وإنما يمثل اعترافاً مجتمعياً بجهود آلاف المتطوعين وأصحاب المبادرات الذين عملوا بعيداً عن الأضواء لخدمة المواطنين.
وقال إن الحرب كشفت الوجه الحقيقي للسودانيين، حيث تقدمت قيم التكافل والتراحم على كل أشكال الانقسام، وأثبت المجتمع قدرته على تجاوز الأزمات عندما تتوحد الجهود وتتضافر الإرادات.
وأعرب عن تقديره لشركة زين على استمرارها في تنظيم المبادرة، معتبراً أنها أسهمت في توثيق قصص إنسانية تستحق أن تُروى للأجيال، وأن تظل شاهدة على قوة المجتمع السوداني في مواجهة المحن.
إشادة رسمية
من جانبه، أشاد وزير التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم الأستاذ صديق حسن فريني بالمبادرة، واعتبر الفائزين نماذج مضيئة في العمل الإنساني خلال فترة استثنائية.
وأكد أن حكومة الولاية تنظر إلى هذه التجارب باعتبارها رصيداً وطنياً مهماً يمكن البناء عليه في مرحلة إعادة الإعمار والانتقال من الإغاثة إلى التنمية، معلناً عن تكريم خاص للفائزين تقديراً لعطائهم وإسهاماتهم.
كما شهد الحفل تقديم جوائز تقديرية لعدد من الشخصيات والمؤسسات ذات الأثر المجتمعي، إلى جانب تكريم خاص لمركز الخيف للدراسات والبحث العلمي والتدريب تقديراً لإسهاماته في خدمة المجتمع.
حين ينتصر الخير
وبين تصفيق الحضور وملامح التأثر التي ارتسمت على وجوه المكرمين، بدا واضحاً أن “زول خير” لم تكن مجرد مسابقة أو حفل لتوزيع الجوائز، بل شهادة حية على أن الخير ما زال قادراً على شق طريقه وسط العواصف.
فالحرب التي أرهقت البلاد كشفت في الوقت نفسه عن كنوز بشرية ظلت تعمل بصمت، وعن رجال ونساء آمنوا بأن إنقاذ إنسان واحد قد يعني إنقاذ مجتمع بأكمله.
ولعل الرسالة الأعمق التي حملها هذا الاحتفاء أن الأوطان لا تُبنى بالإسمنت والحديد وحدهما، وإنما تُبنى أيضاً بالرحمة والتكافل وقيم العطاء التي تجعل من الإنسان سنداً لأخيه الإنسان، وتمنح المجتمع القدرة على النهوض مهما اشتدت المحن.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات