الأربعاء, يونيو 17, 2026
الرئيسيةمقالاتلا شربنا الحليب ولا لحسنا البركيب…حكومة كامل إدريس  وأنين المواطن السوداني ...

لا شربنا الحليب ولا لحسنا البركيب…حكومة كامل إدريس  وأنين المواطن السوداني بقلم الاستاذ/ زكريا علي عبدالرسول

في الوجدان الشعبي السوداني تختصر الأمثال كثيراً من المعاني التي لا تستطيع الخطابات السياسية أو التحليلات المطولة أن تقولها بنفس القوة والوضوح. ومن أكثر هذه الأمثال تعبيراً عن الحالة الراهنة قول الناس:
“لا شربنا الحليب ولا قرطعنا البركيب.”
هذا المثل، ببساطته الظاهرة، يحمل دلالة عميقة؛ فالحليب رمز الخير الصافي والمنفعة الكاملة، بينما “البركيب” هو الزبادي أو اللبن المتخثر، أي ما يلي الحليب من مرحلة أقل قيمة. والمعنى أن الإنسان لم يحصل على الأصل النافع، ولم ينل حتى البديل أو الحد الأدنى من الفائدة. إنها صورة مكثفة لحالة ضياع الفرص وتبدد التوقعات.
بهذا المعنى، يجد كثير من السودانيين أنفسهم أمام واقع سياسي ومعيشي لا يحقق الحد الأدنى من الطموحات. فبعد سنوات من الاضطراب السياسي والحرب والانهيار الاقتصادي، كان الأمل معقوداً على مرحلة انتقالية أو حكومة قادرة على إعادة ترتيب الدولة وفتح باب الاستقرار. لكن ما يظهر على الأرض لا يعكس هذا الانتظار الطويل.
الأمن ما يزال هشاً في عدد من المناطق، والاقتصاد يواصل التراجع تحت ضغط التضخم وانهيار العملة، فيما تتآكل القدرة الشرائية للمواطن يوماً بعد يوم. وفي المقابل، تبقى الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وصحة وتعليم في حالة لا ترقى إلى مستوى الاحتياج اليومي، فضلاً عن الطموح إلى تحسينها.
المعضلة الأعمق لا تتوقف عند تدهور الأوضاع المعيشية فقط، بل تمتد إلى شعور عام لدى الناس بأن مسار الدولة لا يحمل رؤية واضحة للخروج من الأزمة. فالمواطن الذي أنهكته الحرب وتداعياتها لم يعد يبحث عن وعود جديدة بقدر ما يبحث عن أثر ملموس يغير واقعه اليومي، ولو بشكل تدريجي.
في ظل هذا المشهد، يتحول المثل الشعبي إلى مرآة تعكس المزاج العام: انتظار طويل بلا نتائج، ووعود لا تتحول إلى واقع، ومسافة تتسع بين الخطاب الرسمي وحياة الناس الفعلية.
وهكذا تتكرر العبارة في المجالس والشارع ووسائط التواصل، لا بوصفها نكتة عابرة، بل كتوصيف شعبي مكثف لحالة عامة:
“لا شربنا الحليب ولا قرطعنا البركيب.”
إنها خلاصة شعور جمعي بأن ما تحقق لم يلامس حياة الناس، وما يُنتظر لا يزال بعيداً، فيتجمد الواقع بين خيبة ما مضى وغموض ما هو آت.
                       ،،، تحياتي ،،،

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات