في تحوّل دراماتيكي خارق للمشهد السياسي والعسكري، دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلةً جديدةً تماماً بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والقيادة الإيرانية – برعاية باكستانية قطرية – التوصلَ إلى اتفاق لوقف الحرب وإنهاء الحصار البحري وفتح مضيق هرمز. وبينما سارعت أسواق النفط العالمية إلى التقاط أنفاسها بهبوط فوري في الأسعار، يطرح الشارع العربي والمجتمع الدولي السؤال الأهم: هل يمهّد هذا الاتفاق لسلام مستدام، أم أنه مجرد “هدنة مؤقتة” لالتقاط الأنفاس؟
أولاً: مكاسب فورية – تفكيك العُقَد الاقتصادية والعسكرية
يرى المؤيدون للاتفاق أنه يضع بالفعل حجرَ الأساس لاستقرار حقيقي في المنطقة، مستندين إلى حزمة من البنود التنفيذية:
- إنهاء الحصار وفتح الممرات: إنهاء الحصار البحري الأمريكي عن مضيق هرمز يُزيل فتيلَ مواجهة دولية كانت تهدد إمدادات الطاقة العالمية.
- الامتداد الجغرافي للتهدئة: إعلان طهران بأن الاتفاق يشمل الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية “على كافة الجبهات بما فيها لبنان” يمنح فرصةً حقيقيةً لاحتواء الصراع الإقليمي الأوسع.
- الإفراج عن الأموال: الحديث عن ترتيبات لفك تجميد مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية يمنح طهران حافزاً اقتصادياً قوياً للتمسك بالمسار الدبلوماسي.
ثانياً: حقول الألغام السياسية – لماذا يحذر المراقبون؟
في المقابل، يرى جانب واسع من محللي الشؤون السياسية أن الاتفاق يواجه معضلات بنيوية قد تهدد صموده خلال مهلة الستين يوماً المخصصة للمفاوضات الفنية المقبلة:
- المعضلة الإسرائيلية وغياب التنسيق
تتمثل العقبة الأبرز في الموقف الإسرائيلي، حيث تشير التقارير الإعلامية إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أبلغ واشنطن بأن تل أبيب “ليست طرفاً في هذا الاتفاق”. ومع استمرار الضربات العسكرية في محيط المنطقة وجنوب لبنان فور إعلان التفاهم، يثبت ذلك أن الجبهات الميدانية لا تزال قابلةً للاشتعال من جديد بشكل أحادي، مما قد يجرّ الولايات المتحدة وإيران إلى المربع الأول.
- الملف النووي المعقّد
بينما يتباهى البيت الأبيض بأن طهران وافقت على عدم امتلاك سلاح نووي، تُصر إيران على أنها لم تتنازل عن ثوابتها التقنية. وسيتعين على المفاوضين في جنيف صياغة آليات رقابة صارمة من قِبَل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو الملف الذي طالما تسبّب في انهيار الاتفاقيات السابقة كاتفاق عام 2015.
- الشأن الداخلي الأمريكي المعارض
يواجه الاتفاق اختباراً تشريعياً عسيراً في واشنطن، حيث أعلن صقور الكونغرس من الحزبين أن أي اتفاق نووي أو مالي مع إيران يجب أن يخضع لرقابة ومراجعة صارمتين من الكونغرس، مما يضع قيوداً على قدرة إدارة ترامب في منح “تسهيلات دائمة” لطهران.
خلاصة: السلام الحالي مشروط بالالتزام
الاتفاق الأمريكي – الإيراني في شكله الحالي لا “يرسي السلام” بشكل تلقائي، بل يفتح نافذةً للفرص نادرةً وثمينةً لتحقيقه.
إن تحوّل هذا التفاهم إلى سلام دائم يعتمد كلياً على مدى قدرة القوى الوسيطة للاتفاق – باكستان وقطر – على كبح جماح الأطراف الإقليمية غير الراضية عن الاتفاق، وعلى قدرة واشنطن وطهران على تقديم تنازلات متبادلة وصعبة في جنيف حول ملفات الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي والبرنامج النووي.
بدون ذلك، قد يتحوّل هذا الاتفاق إلى مجرد “استراحة محارب” في صراع قد يمتد لعقود من الزمن.
