امدرمان : حفية نورالدائم
في مشهد حمل الكثير من الدلالات الإنسانية والصحية، أعيد افتتاح مستشفى محمد الأمين حامد للأطفال بمدينة أم درمان بعد اكتمال عمليات التأهيل والصيانة التي أعادت الحياة إلى واحد من أهم المراكز الطبية المتخصصة في علاج الأطفال بالسودان، وذلك عقب الأضرار الجسيمة التي تعرض لها خلال فترة الحرب.
ويُنظر إلى عودة المستشفى للخدمة باعتبارها إحدى أبرز علامات التعافي في القطاع الصحي بولاية الخرطوم، وخطوة متقدمة في مسار إعادة بناء المؤسسات الصحية واستعادة الخدمات التخصصية التي افتقدها المواطنون خلال الفترة الماضية، خاصة في مجالات جراحة الأطفال والعناية المركزة وخدمات الطوارئ.
بداية مرحلة جديدة
وأكد وكيل وزارة الصحة الاتحادية الدكتور علي بابكر سيد أحمد أن إعادة افتتاح المستشفى تمثل انطلاقة جديدة لمرحلة التعافي الصحي، مشيراً إلى أن ما تحقق جاء نتيجة لتكاتف الجهود الوطنية بين الحكومة الاتحادية وحكومة ولاية الخرطوم والمنظمات والشركاء الداعمين.
وقال إن العمل لن يتوقف عند إعادة تشغيل المستشفى، بل سيمتد إلى استكمال المرحلة الثالثة من مشروع التطوير والتوسعة، بما يضمن تعزيز قدراته العلاجية وتوسيع نطاق خدماته التخصصية.
وأشاد بالدور الذي اضطلعت به القوات المسلحة في حماية البنية التحتية الصحية، كما أثنى على صمود الكوادر الطبية والصحية التي واصلت أداء واجبها في أصعب الظروف.
وكشف عن توجهات لتوسيع الخدمات الطبية التخصصية خلال الفترة المقبلة، موضحاً أن مستشفى أحمد قاسم أجرى بالفعل عدداً من عمليات زراعة الكلى الناجحة، مع ترتيبات لإدخال خدمات جراحة القلب خلال الأسابيع المقبلة.
رسالة ثقة للسودانيين
من جانبه، أكد والي ولاية الخرطوم أحمد عثمان حمزة أن الولاية تمضي بقوة في تنفيذ برامج الإعمار والتعافي، مشدداً على قدرة المؤسسات الصحية الوطنية على استعادة دورها الريادي.
ووجه الوالي رسالة مباشرة للمواطنين دعاهم فيها إلى الثقة في الكفاءات الطبية السودانية، مؤكداً أن المستشفيات السودانية عادت لإجراء العديد من العمليات الدقيقة والمعقدة، بما في ذلك زراعة الكلى والكبد وجراحات القلب.
وتحدث الوالي عن حجم الدمار الذي تعرض له المستشفى خلال الحرب، موضحاً أن القطاع الصحي كان من أكثر القطاعات تضرراً، إلا أن جهود الدولة والشركاء أسهمت في إعادة تأهيل عدد من المرافق الحيوية وعودتها للعمل.
وفي إطار معالجة التحديات العاجلة بالمستشفى، أصدر الوالي حزمة من التوجيهات شملت توفير منظومة طاقة شمسية لقسم الحوادث، ومعالجة مشكلات الصرف الصحي، واستكمال الأعمال المتبقية بالمباني، إلى جانب توفير احتياجات أساسية تشمل مصنعاً للأكسجين ووحدة للعناية المكثفة وعربة إسعاف.
كما استحضر الوالي إسهامات رواد العمل الخيري الذين أسسوا العديد من المستشفيات التاريخية في السودان، مشيداً بدورهم في دعم القطاع الصحي وخدمة المجتمع.
طفرة في الخدمات التخصصية
وفي السياق ذاته، أعلن المدير العام لوزارة الصحة بولاية الخرطوم الدكتور محمود البدري نجاح سبع عمليات لزراعة الكلى بمستشفى أحمد قاسم، مؤكداً أن الترتيبات اكتملت لإدخال خدمات جراحة القلب للأطفال والكبار خلال الفترة المقبلة.
وأشار إلى أن إعادة خدمة الجراحة العامة بمستشفى محمد الأمين حامد تمثل خطوة مهمة نحو استعادة الخدمات التخصصية التي تعطلت بسبب الحرب، معتبراً أن هذه الإنجازات تعكس تعافي النظام الصحي تدريجياً.
شراكات تدعم الإعمار
بدوره، وصف المدير القطري لمنظمة تجمع الأطباء السودانيين بالولايات المتحدة الدكتور فيصل أحمد النور إعادة تشغيل المستشفى بأنها محطة مهمة في جهود إعادة إعمار القطاع الصحي السوداني، ورسالة أمل تؤكد قدرة السودانيين على تجاوز آثار الحرب واستعادة مؤسساتهم الخدمية.
وأوضح أن المستشفى ظل يقدم خدماته لأكثر من خمسين ألف طفل سنوياً قبل أن يتوقف بسبب الأضرار التي لحقت به، ما أدى إلى حرمان آلاف الأسر من خدماته المتخصصة.
وأشار إلى أن تجمع الأطباء السودانيين بالولايات المتحدة قاد جهوداً واسعة بالتعاون مع الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية لإعادة تأهيل المستشفى وإعادته للخدمة بطاقة تشغيلية أعلى وكفاءة أفضل.
وأكد أن جهود التجمع ستستمر لدعم مشروعات إعادة البناء والتطوير الصحي في مختلف أنحاء السودان، مثمناً دور حكومة ولاية الخرطوم ووزارة الصحة ومفوضية العون الإنساني والشركاء الدوليين في إنجاح المشروع.
استثمار في الأمل
من جانبه، اعتبر الرئيس التنفيذي لمنظمة قطرات الرحمة محمد نوراني أن إعادة افتتاح المستشفى تتجاوز كونها إعادة تشغيل لمرفق صحي، وتمثل خطوة عملية نحو استعادة الأمل وتعزيز حق الأطفال والأسر في الحصول على خدمات صحية متكاملة.
وكشف أن المنظمة استثمرت أكثر من 350 ألف دولار في مشروع التأهيل، موضحاً أن هذا الدعم يعكس الثقة في قدرة السودان على التعافي، وأهمية الشراكات الإنسانية في دعم الخدمات الأساسية.
وأكد أن المنظمة تنظر إلى المستشفى باعتباره مركزاً للعلاج والطمأنينة والأمل، ومؤسسة تؤدي رسالة إنسانية نبيلة في رعاية الأطفال وتخفيف معاناة الأسر.
مراحل متواصلة من التأهيل
أما المدير العام لمستشفى محمد الأمين حامد للأطفال الدكتورة وفاء عبدالرحمن، فأكدت أن إعادة الافتتاح تمثل بداية مرحلة جديدة في تاريخ المستشفى الذي افتتح عام 1986 وظل لعقود أحد أكبر مستشفيات الأطفال في السودان.
وأوضحت أن المرحلة الأولى من التأهيل بدأت في سبتمبر 2025 وأتاحت استئناف العمل جزئياً، قبل أن تتواصل أعمال الصيانة والتطوير التي شملت أقسام الحوادث وتحسين بيئة العمل والخدمات.
وأضافت أن المرحلة الثانية تضمنت إعادة تأهيل المباني الجنوبية بالمستشفى بدعم من منظمة “سدا”، فيما تستهدف المرحلة الثالثة تطوير أقسام العناية المكثفة وحديثي الولادة والأطفال الخدج وجراحة الأطفال.
وأكدت أن خطة إعادة الإعمار ما تزال مستمرة بهدف إعادة المستشفى إلى كامل طاقته التشغيلية ورفع قدرته على استقبال المرضى من مختلف ولايات السودان.
مؤشرات تعافٍ متسارعة
وفي مؤشر إضافي على تعافي القطاع الصحي بمحلية أم درمان، كشف المدير التنفيذي للمحلية سيف الدين مختار عن عودة نحو 95% من المراكز الصحية للعمل، إلى جانب استئناف النشاط في معظم المستشفيات الكبرى.
وشدد على أهمية الإسراع في إعادة تشغيل خدمات جراحة الأطفال بمستشفى محمد الأمين حامد، نظراً للدور المحوري الذي يؤديه في تقديم الرعاية الطبية للأطفال القادمين من أم درمان وولايات السودان المختلفة.
وبين جدران المستشفى التي استعادت حركتها من جديد، تبدو عودة محمد الأمين حامد للأطفال أكثر من مجرد افتتاح لمبنى طبي؛ إنها قصة تعافٍ وأمل، ورسالة تؤكد أن القطاع الصحي في الخرطوم بدأ يستعيد عافيته خطوة بعد أخرى، رغم حجم التحديات التي خلفتها الحرب.
