في زحام الأيام وتسارع الأحداث، نقف اليوم على حافة مقارنة مؤلمة بين ما كنا عليه بالأمس، وما أصبحنا نعيشه اليوم. لم يعد الفقد مقتصرًا على المنازل التي هُدمت أو الممتلكات التي ضاعت، بل تجاوز ذلك ليصل إلى أعمق ما فينا… إلى الروح، إلى العلاقات، إلى القيم التي كانت يومًا أساس هذا المجتمع.
منذ اندلاع الحرب في السودان، تغيّرت ملامح الحياة بشكل لم يكن في الحسبان. لم نفقد فقط الأمان الجغرافي، بل فقدنا ذلك الأمان الإنساني الذي كان يسكن تفاصيل يومنا البسيط. افتقدنا لمّة الأسرة التي كانت تجمعنا بلا مواعيد، وافتقدنا الضحكات العفوية التي كانت تملأ البيوت دفئًا. افتقدنا حضن الجدة والجد، ذلك الحضن الذي لم يكن يحتاج إلى تفسير، وكان كفيلًا بأن يمحو كل خوف.
كان الأمس بسيطًا… لكنه عميق. كانت العلاقات تُبنى على الصدق، وكانت البيوت مفتوحة قبل الأبواب، وكان الجار أقرب من القريب أحيانًا. كان الطفل يُربّى بين أسرته والمجتمع معًا، وكانت المسؤولية مشتركة، لا يتنصل منها أحد. الاحترام لم يكن خيارًا، بل كان أسلوب حياة، متجذرًا في النفوس دون حاجة إلى تذكير أو قوانين.
أما اليوم، فنحن نعيش واقعًا مختلفًا، واقعًا تتزاحم فيه الضغوط النفسية والاقتصادية، وتتراجع فيه بعض القيم أمام تحديات قاسية فرضتها الظروف. برزت سلوكيات لم تكن مألوفة، وظهر نوع من الانفلات الأخلاقي لدى بعض الشباب، وكأن البوصلة فقدت اتجاهها. وهنا يبرز السؤال المؤلم: إلى متى؟ إلى متى نظل نبتعد عن جذورنا؟ وإلى متى يستمر هذا التباعد عن المبادئ التي كانت يومًا هويتنا؟
وعندما نجلس مع جيل الستينيات والسبعينيات، لا نستمع فقط إلى حكايات، بل نلامس تاريخًا حيًا من القيم. يحدثوننا عن زمنٍ كان فيه “الخال سندًا”، و“العم ظهرًا”، وكان فيه الكبير يُحترم دون نقاش، والصغير يُحتوى بمحبة. كان المجتمع بأكمله يشارك في التربية، وكانت الأخلاق تُمارس يوميًا، لا تُدرّس نظريًا.
ورغم هذا التغير العاصف، تظل هناك نقاط ضوء تستحق التقدير. في مقدمتها المعلمون، أولئك الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية بناء الإنسان، لا مجرد تلقين المعرفة. في ظل ظروف صعبة، يواصلون رسالتهم بإخلاص، يحاولون غرس القيم قبل المعلومات، وإعادة التوازن إلى نفوس طلاب أنهكتهم التغيرات. إنهم خط الدفاع الأخير للحفاظ على ما تبقى من هوية المجتمع.
إن ما نحتاجه اليوم لا يقتصر على الحنين للماضي أو البكاء على ما فقدناه، بل يتطلب وقفة صادقة مع النفس. نحن بحاجة إلى استعادة الروح… روح التكافل، روح الاحترام، روح المسؤولية المشتركة. بحاجة إلى أن نعيد تعريف دور الأسرة، وأن نمنح أبناءنا وقتًا وحضورًا حقيقيًا، لا مجرد توجيهات عابرة.
علينا أن نُدرك أن المجتمعات لا تُبنى بالمباني ولا تُقاس بالمظاهر، بل تُبنى بالقيم. فإذا ضاعت القيم، ضاع كل شيء، حتى وإن بقي كل شيء على حاله ظاهريًا.
بين الأمس واليوم مسافة ليست في الزمن فقط، بل في المعنى. والسؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا بصدق: هل ما زال بإمكاننا العودة؟ أم على الأقل… هل نستطيع أن نُعيد بناء ما يستحق أن يبقى؟
الإجابة ليست سهلة، لكنها تبدأ بخطوة… بخطوة وعي، وخطوة مسؤولية، وخطوة إيمان بأن ما فقدناه يمكن أن يُستعاد… إذا أردنا حقًا ذلك.
