ابوسفيان محمد يوسف الكردفاني
في كل عام يتجدد الجدل حول أداء إدارة الحج والعمرة، وتتكرر شكاوى الحجاج وذويهم، حتى أصبح من السهل التنبؤ بالمشكلات قبل وقوعها، لأنها ببساطة تتكرر بالمشهد ذاته والتفاصيل نفسها، وبينما تتطور خدمات الحج في كثير من الدول الإسلامية مستفيدة من الثورة التقنية والإدارية الحديثة، لا يزال الحاج السوداني يواجه سلسلة من التحديات والمعاناة التي تبدأ منذ إجراءات التسجيل والاختيار، ولا تنتهي إلا بعد عودته إلى أرض الوطن.
ورغم أن تكلفة الحج على السودانيين تُعد من بين الأعلى مقارنة بالعديد من الدول، فإن مستوى الخدمات المقدمة لا يعكس حجم الأموال التي يدفعها الحجاج.
فالسؤال الذي يطرحه كثيرون كل عام: أين تذهب هذه التكاليف الباهظة؟؟
إذا كانت الشكاوى تتكرر حول السكن، والتنقل، والخدمات المساندة، وحتى الإجراءات التنظيمية الأساسية.
ولعل ما صاحب اختيار حجاج هذا العام من ارتباك وملاحظات وشكاوى كان مؤشراً واضحاً على أن الخلل ما زال قائماً، وأن آليات العمل تحتاج إلى مراجعة شاملة وجادة، فقد شهدت عمليات الاختيار حالة من الارتباك والعشوائية أثارت تساؤلات واسعة حول مدى جاهزية الإدارة لمواكبة متطلبات هذا الملف الحساس، الذي يتعلق بأداء ركن من أركان الإسلام.
كما أن اختيار أمراء البعثات والحملات يجب أن يقوم على معايير واضحة وشفافة، أساسها الكفاءة والقدرة على إدارة الأزمات وخدمة الحجاج، لا أي اعتبارات أخرى، فالحاج الذي يدفع مدخرات عمره لأداء هذه الفريضة يستحق أن يجد إدارة محترفة، وخدمات منظمة، وتعاملاً يليق بكرامته.
وفي عصر التحول الرقمي والتقنيات الذكية، لم يعد مقبولاً استمرار العشوائية والارتجال في إدارة واحد من أهم الملفات الخدمية في البلاد، فالتكنولوجيا قادرة على معالجة كثير من الإشكالات المتعلقة بالتسجيل، واختيار الحجاج، وإدارة البيانات، واستقبال الشكاوى، ومتابعة الخدمات لحظة بلحظة، لكن ذلك يتطلب إرادة حقيقية للإصلاح والتطوير.
إن الحاج السوداني لا يطالب بامتيازات استثنائية، ولا يبحث عن رفاهية زائدة، بل يطمح فقط إلى خدمة تتناسب مع ما يدفعه من أموال، وتمكنه من أداء شعائره في أجواء من الطمأنينة والراحة والتنظيم الجيد.
ولا تتوقف معاناة الحاج السوداني عند حدود المشاعر المقدسة، بل تمتد إلى ملف النقل البحري والأمتعة، وهو أحد أكثر الملفات التي ظلت محل شكاوى متكررة على مدى سنوات طويلة.
أما ملف النقل البحري نفسه، فيظل واحداً من أكثر الملفات إثارة للانتقادات ،ففي كل عام تتجدد الشكاوى من مستوى السفن المستخدمة في نقل الحجاج، لا سيما في رحلات العودة، حين يكون الحاج قد استنفد جهده خلال أداء المناسك ويحتاج إلى رحلة آمنة ومريحة تحفظ له كرامته وراحته.
لكن الواقع بحسب شكاوى متكررة من الحجاج، يكشف عن سفن تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الراحة والخدمة اللائقة. وتبرز المشكلات في ضعف النظافة، وسوء التهوية، ورداءة الخدمات الأساسية، فضلاً عن النقص الواضح في دورات المياه أو عدم صلاحية بعضها للاستخدام، بما لا يتناسب مع أعداد الركا،. وهكذا تتحول رحلة العودة إلى معاناة إضافية تضاف إلى مشقة السفر الطويل.
إن خدمة ضيوف الرحمن ليست مجالاً للمجاملات أو الترضيات الإدارية، وليست باباً لتحقيق المكاسب والمصالح الضيقة، بل هي أمانة عظيمة ومسؤولية وطنية ودينية تتطلب اختيار قيادات تمتلك الكفاءة والخبرة والرؤية، ويكون همها الأول والأخير خدمة الحاج السوداني وتوفير أفضل الظروف له.
وفي ميناء سواكن تتكرر سنوياً مشاهد الفوضى والعشوائية في التعامل مع أمتعة الحجاج، حيث تُكدس الحقائب والمقتنيات الشخصية بصورة تفتقر إلى أبسط معايير التنظيم والسلامة. وينتج عن ذلك فقدان بعض الأمتعة، وضياع بعضها الآخر، إلى جانب تعرض عدد كبير منها للكسر أو التلف، خاصة الأجهزة الكهربائية والمقتنيات الثمينة التي يحرص الحجاج على جلبها معهم بعد انتهاء رحلتهم.
ولا تقتصر المشكلة على سوء التنظيم فحسب، بل تمتد إلى أسلوب المناولة والنقل، إذ يشكو الحجاج باستمرار من التعامل الخشن وغير المهني مع أمتعتهم، الأمر الذي يؤدي إلى خسائر مادية ومعنوية متكررة، دون وجود آليات واضحة للمحاسبة أو التعويض.
وعند نهاية كل موسم، تعقد إدارة الحج والعمرة ورشة تقييمية يفترض أن تكون منصة حقيقية للمراجعة والتقويم واستخلاص الدروس، غير أن الواقع يشير إلى أن هذه الورش أصبحت أقرب إلى إجراء روتيني وشكلي، تُعرض فيه التقارير وتُتبادل كلمات الإشادة، بينما تبقى المشكلات ذاتها دون حلول حقيقية، فكيف يمكن لورشة لا تتجاوز ساعات معدودة أن تقيّم عملاً استمر أشهراً طويلة وشارك فيه آلاف الحجاج وعشرات الجهات؟ وكيف يمكن الحديث عن تطوير الأداء إذا كانت الملاحظات والانتقادات التي تُطرح لا تجد طريقها إلى التنفيذ والمعالجة؟
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة عملية لا خطابية: متى تتحول ورش التقييم من مناسبات بروتوكولية إلى أدوات حقيقية للإصلاح؟ ومتى تتم محاسبة المقصرين ومعالجة أوجه القصور بصورة جادة؟ ومتى يجد الحاج السوداني الخدمة التي يستحقها؟
فما دام النقد يتكرر كل عام، والمشكلات نفسها تعود مع كل موسم، فإن الأزمة ليست في قلة الملاحظات، بل في غياب الإرادة اللازمة لتحويل تلك الملاحظات إلى قرارات وإصلاحات ملموسة. وعندما يصبح صوت الحاج مسموعاً، وملاحظاته محل اهتمام ومعالجة، عندها فقط يمكن الحديث عن موسم حج ناجح، وعن إدارة تضع خدمة ضيوف الرحمن فوق كل اعتبار
