الثلاثاء, يونيو 2, 2026
الرئيسيةمقالاتإعمار الخرطوم بين جدلية الغِنى والقِنية ...

إعمار الخرطوم بين جدلية الغِنى والقِنية كتب: أبوعبيده أحمد سعيد محمد


قال الله تعالى في الاية 48 من سورة النجم:
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ﴾ صدق الله العظيم
تحمل هذه الآية الكريمة أبعادًا اقتصادية واجتماعية وإنسانية عميقة، تجعلها مدخلًا فكريًا مهمًا لفهم طبيعة الدولة ووظيفتها في بناء المجتمعات بعد الحروب والكوارث. فالغِنى يشير إلى التوسعة في الرزق والإنتاج وخلق الثروة، بينما تشير القِنية إلى تحقيق حد الكفاية والاستقرار الذي يحفظ للإنسان كرامته واحتياجاته الأساسية. ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى مشروع إعمار الخرطوم بعد الحرب باعتباره مشروعًا يقوم على التوازن بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
فما شهدته العاصمة الخرطوم منذ اندلاع الحرب في السودان في الخامس عشر من أبريل 2023م لم يكن مجرد معركة عسكرية عابرة، بل كان حدثًا ترك آثارًا عميقة على الإنسان والمكان والدولة والمجتمع. فقد تعرضت البنية التحتية للتدمير، وتوقفت مؤسسات الإنتاج والخدمات، وتضررت الأسواق والمصانع والمستشفيات والمدارس، كما عاش المواطنون حالة قاسية من النزوح والخوف وفقدان مصادر الدخل والأمان.
ولذلك فإن إعادة إعمار الخرطوم لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها عملية هندسية لإعادة بناء الطرق والجسور والمباني فقط، وإنما باعتبارها مشروعًا وطنيًا شاملًا لإعادة بناء الإنسان واستعادة الدولة وإحياء النشاط الاقتصادي وترميم النسيج الاجتماعي.
وفي هذا الإطار تبرز جدلية الغِنى والقِنية بوصفها أساسًا لرؤية متوازنة للإعمار. فالغِنى هنا يعني إعادة تحريك الاقتصاد الوطني عبر إعادة تشغيل المصانع والأسواق والخدمات والمصارف، وتأهيل المناطق الصناعية، وتشجيع الاستثمار الوطني والأجنبي، وتهيئة البيئة المناسبة لعودة رؤوس الأموال والمغتربين وأصحاب الأعمال. فالخرطوم لا يمكن أن تتعافى بالمعونات وحدها، وإنما بإعادة دورة الإنتاج والعمل وخلق فرص حقيقية للشباب والعمال وأصحاب المهن الصغيرة.
كما أن الإعمار الحقيقي يتطلب إعادة بناء البنية الاقتصادية للدولة بصورة أكثر كفاءة وعدالة، بحيث تُمنح الأولوية للإنتاج الحقيقي والزراعة والصناعة والخدمات، بدل الاقتصار على الاقتصاد الريعي أو الأنشطة غير المنتجة. فمرحلة ما بعد الحرب يجب أن تتحول إلى فرصة لإعادة هيكلة الاقتصاد السوداني بصورة أكثر استدامة وقدرة على توفير فرص العمل وتحقيق الاستقرار الاجتماعي.
وفي المقابل فإن القِنية تمثل البعد الاجتماعي والإنساني في مشروع الإعمار، أي ضمان الحد الأدنى الكريم للحياة لكل مواطن. فالمواطن الذي فقد منزله أو مصدر دخله أو عاش تجربة النزوح واللجوء لا ينتظر فقط الحديث عن النمو الاقتصادي والمؤشرات الكلية، وإنما ينتظر عودة الخدمات الأساسية التي تحفظ كرامته الإنسانية .
ومن هنا تصبح مسؤولية الدولة في مرحلة ما بعد الحرب مسؤولية مباشرة في توفير السكن والخدمات الصحية والتعليم والمياه والكهرباء والنقل والخدمات البلدية، إضافة إلى إعادة تأهيل الأحياء السكنية والمرافق العامة وشبكات الطرق والبنية التحتية الأساسية .
ومن أهم مقومات القِنية والكفاية الاجتماعية في مرحلة ما بعد الحرب توفير الأمن والاستقرار، باعتبارهما أساس عودة الحياة الطبيعية واستعادة الثقة داخل المجتمع. فالمواطن الذي عانى ويلات الحرب والنزوح وفقدان الأمان لا يبحث فقط عن الغذاء والسكن والخدمات، وإنما يبحث أولًا عن الطمأنينة والشعور بأن المدينة استعادت هيبة الدولة وسيادة القانون.
ولذلك فإن إعادة إعمار الخرطوم تقتضي إنهاء كافة مظاهر حمل السلاح داخل المدينة، وحصره في المؤسسات النظامية الرسمية، وعلى رأسها الشرطة والأجهزة المختصة بحفظ الأمن وفق القانون. فالجرح العميق والنزيف الإنساني الذي ذاقته العاصمة وبعض مدن السودان خلال الحرب جعل من مشاهد السلاح داخل الأحياء والأسواق والطرق أمرًا غير مقبول اجتماعيًا ونفسيًا، لما يحمله من استدعاء دائم لذكريات الخوف والانفلات وعدم الاستقرار.
إن المدن لا تُبنى فقط بالإسمنت والطرق والجسور، وإنما تُبنى كذلك بالأمن والثقة وسيادة القانون. وكل مشروع حقيقي لإعمار الخرطوم يجب أن ينطلق من مبدأ أن العاصمة مدينة للحياة المدنية والإنتاج والتعليم والاستثمار، وليست ساحة للمظاهر المسلحة أو مراكز النفوذ خارج إطار الدولة .
كما أن الحرب كشفت بوضوح حجم الاختلالات القديمة في التخطيط الحضري والخدمات وتوزيع الموارد داخل العاصمة، الأمر الذي يجعل مرحلة الإعمار فرصة تاريخية لإعادة التفكير في شكل الخرطوم ومستقبلها. فالمدينة تحتاج إلى تخطيط عمراني أكثر عدالة وتنظيمًا، وإلى توسيع الخدمات في الأطراف والمناطق الأقل حظًا، وإلى بناء بنية تحتية حديثة تستوعب النمو السكاني والتحولات الاقتصادية القادمة.
ومن المهم كذلك أن يتحول ملف الإعمار إلى مشروع وطني جامع تشارك فيه الدولة والقطاع الخاص والمغتربون والمؤسسات التمويلية والمجتمعات المحلية، مع ضرورة إدارة الموارد بشفافية وكفاءة وعدالة، حتى لا تتحول مرحلة الإعمار إلى باب جديد للفساد أو الاحتكار أو التفاوت الاجتماعي.
إن فلسفة الآية الكريمة تؤكد أن التنمية الحقيقية لا تقتصر على خلق الثروة، وإنما تشمل كذلك ضمان الكفاية الإنسانية والعدالة الاجتماعية. ولذلك فإن الخرطوم بعد الحرب تحتاج إلى اقتصاد يُنتج، ودولةٍ تحمي، ومجتمعٍ يتكافل، ومؤسساتٍ تستعيد ثقة المواطن، ورؤيةٍ تجعل الإنسان محور الإعمار وغايتَه الأساسية.
فالمدينة التي أنهكتها الحرب يمكن أن تنهض من جديد إذا بُنيت على معادلة متوازنة:
غِنى يُحرّك التنمية، وقِنية تحفظ كرامة الإنسان، وأمنٌ يعيد للحياة معناها وللعاصمة استقرارها وهيبتها.
كتب: أبوعبيده أحمد سعيد محمد saeed.abuobida5@gmail.com

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات