الإثنين, يونيو 1, 2026

أبعاد… الإعلام المهني ينتصر للوطن كتب/ مصطفى بشير عيسى

لم تكن معركة السودان خلال العامين الماضيين معركة عسكرية فحسب، بل كانت أيضاً معركة رواية وحقيقة ووعي. فبينما كان الجيش السوداني والقوات المساندة له يخوضون المواجهات في الميدان، كانت هناك جبهة أخرى لا تقل خطورة تتمثل في الحرب الإعلامية ومحاولات تشكيل الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي.
وقد أثبتت التجربة أن الإعلام عندما يفقد استقلاليته ويتحول إلى أداة لخدمة أجندات سياسية يفقد رسالته الأخلاقية والمهنية. فالصحافة ليست منصة للدعاية، والقنوات الإخبارية ليست أبواقاً لتبرير الجرائم أو إعادة صياغة الوقائع بما يخدم طرفاً على حساب الحقيقة.
ومن هذا المنطلق جاءت الانتقادات الواسعة التي وُجهت إلى تغطية “سكاي نيوز عربية” للحرب في السودان، خاصة فيما يتعلق بالأحداث الدامية التي شهدتها الفاشر ومناطق أخرى من البلاد. فقد اتهمت جهات عالمية وسودانية رسمية ودبلوماسية القناة بممارسة دور إعلامي بعيد عن الحياد، وبالوقوع في فخ التغطيات التي ساهمت ـ بحسب تلك الانتقادات ـ في خلق حالة من التضليل و الالتباس حول حقيقة ما يجري على الأرض.
لقد شعر كثير من السودانيين أن بعض التغطيات لم تكن مجرد أخطاء مهنية عابرة، بل تحولت إلى سردية إعلامية بدت وكأنها تتجاهل معاناة الضحايا، وتغض الطرف عن الانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها المدنيون، بل وتقدم في بعض الأحيان صورة مخففة أو مبررة لأفعال المليشيا المتمردة. ولهذا لم يكن مستغرباً أن تصف البعثة السودانية لدى الأمم المتحدة تلك التغطيات بأنها ساهمت في التضليل وتبرير المجازر التي ارتكبت بحق المدنيين الأبرياء.
إن ما جرى في الفاشر على وجه الخصوص سيظل اختباراً حقيقياً لمهنية وسائل الإعلام. فحين تسقط القذائف على الأحياء السكنية، ويُقتل المدنيون، وتُحاصر المدن، فإن الواجب المهني يقتضي نقل الحقيقة كما هي، لا كما تريدها الإمارات و أصحاب المصالح السياسية. ولذلك فإن أي محاولة لتجميل صورة المعتدي أو التخفيف من بشاعة الجرائم المرتكبة تمثل إخفاقاً أخلاقياً قبل أن تكون خطأً مهنياً.
ولا يتردد كثير من السودانيين اليوم في اعتبار ما حدث وصمة عار في سجل بعض المنصات الإعلامية التي اختارت أن تنظر إلى المأساة السودانية بعين واحدة. فالإعلام الذي يفقد توازنه وحياده لا يخسر السودان وحده، وإنما يخسر ثقة جمهوره ومكانته ومصداقيته التي بُنيت عبر سنوات طويلة.
وفي المقابل، نجح الإعلام السوداني الرسمي والشعبي والدبلوماسي في تحقيق انتصار مهم للرواية الوطنية. فقد استطاع، رغم محدودية الإمكانات والظروف الاستثنائية، أن ينقل صوت الضحايا إلى العالم، وأن يضع المجتمع الدولي أمام حقائق لم يعد بالإمكان تجاهلها أو القفز فوقها.
واليوم تتسع دائرة الإدراك العالمي لحقيقة ما جرى في السودان، وتتزايد الأصوات التي تتحدث عن التدخلات الخارجية والدعم الذي تلقته المليشيا المتمردة من دويلة الشر الامارات، كما تتراجع تدريجياً الروايات التي حاولت تزييف المشهد أو إعادة صياغته بما يخدم أجندات بعينها.
إن ما تحقق ليس نهاية المعركة الإعلامية، بل بداية مرحلة جديدة عنوانها الانتصار للحقيقة. فالأوطان لا تدافع عن نفسها بالسلاح وحده، وإنما تدافع عنها أيضاً الكلمة الصادقة، والصورة الأمينة، والإعلام المهني الذي يقف إلى جانب الحقيقة مهما كانت الضغوط والإغراءات.
لقد انتصر السودان في ميدان الوعي كما ينتصر في ميدان القتال، وأثبت أن الحقيقة قد تتأخر أحياناً، لكنها في النهاية تجد طريقها إلى النور، بينما تسقط حملات التضليل واحدة تلو الأخرى تحت ثقل الوقائع وشهادات التاريخ

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات