الجمعة, مايو 29, 2026
الرئيسيةمقالاتحين تصمت الحرب ولا تعود الدولة الخرطوم وصنعاء في اختبار ما بعد...

حين تصمت الحرب ولا تعود الدولة الخرطوم وصنعاء في اختبار ما بعد الصراع بقلم/د.نفيسة ابراهيم الامير

بقلم/د.نفيسة ابراهيم الامير
في الأدبيات السياسية، يعتبر وقف إطلاق النار غالبًا نهاية للصراعات غير أن خبرة المجتمعات الخارجة من الحروب تُظهر واقعًا أكثر تعقيدًا يعمل علي نقل الحرب الي مستوي أكثر صعوب حيث تُخاض معركة إعادة بناء الدولة وإحياء الاقتصاد و من ثم إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والمؤسسة.
من هذا المنظور تبرز الخرطوم و صنعاء كمدينتين تقفان على مسارين متباينين ظاهريًا من التعافي والانتظار لكنهما تلتقيان في سؤال واحد جوهري كيف يمكن تحويل توقف العنف إلى استقرار حقيقي؟
في الخرطوم، تشير المؤشرات الانية إلى عودة تدريجية للحياة العامة واستئناف بعض من وظائف الدولة الا أن هذه العودة بالرغم من أهميتها الرمزية والعملية لا تزال هشة.
في المقابل تقف صنعاء كمدينة ذات ثقل تاريخي وحضاري عميق لكنها تعيش تحت وطأة صراع ممتد أعاد تشكيل بنيتها الاجتماعية والاقتصادية جذريا ومع ذلك لم تفقد قابليتها للحياة ما زالت تحتفظ بقدرة كامنة على الاستعادة، متى ما توفر الإطار السياسي والأمني الملائم.
ولا تهدف المقارنة بين الخرطوم وصنعاء إلى الموازنة بين تجربتين بقدر ما تكشف حقيقة أوسع وهي أن مستقبل ما بعد الصراع في المنطقة لا يُحسم بالأدوات العسكرية وحدها بل بقدرة الفاعلين المحليين والدوليين على تحويل التنمية إلى أداة استقرار.
فالسلام في جوهره لا يعني غياب العنف بل عملية إعادة هندسة شاملة للدولة والمجتمع و يتطلب ما هو أبعد من الاتفاقات السياسية حيث يتطلب إعادة بناء المؤسسات وتحديث الاقتصاد وإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس المساءلة.
و بهذا تصبح التنمية المستدامة ليست خيارا تنمويًا فحسب بل أداة سياسية مباشرة لمنع عودة الصراع فغياب فرص العمل وضعف الخدمات كلها عوامل تُبقي جذور النزاع حيّة حتى في ظل توقف الحرب
و إن التحول من إدارة الصراع إلى إدارة التنمية هو جوهر التحدي في الدول الخارجة من النزاعات وهو انتقال لا يتحقق عبر حلول مؤقتة بل عبر استراتيجيات طويلة المدى تعيد تعريف الأولويات الوطنية، وتضع الإنسان في قلب السياسات العامة لا على هامشها.
وبينما تحاول الخرطوم تثبيت مسار التعافي التدريجي وتبقى صنعاء معلقة على افاق تسوية سياسية مؤجلة تظل الحقيقة المشتركة أن السلام لا يُمنح بل يُبنى ولا يتحقق بتوقف الحرب بل عبر قدرة المجتمعات على تحويل الألم إلى مؤسسات والانقسام إلى توافقات والدمار إلى فرصة لإعادة البناء
فالسلام لا يمثل نهاية الصراعات بل بداية اختبار لقدرة الدول على إعادة تعريف ذاتها وهو اختبار لا ينجح فيه إلا من يدرك أن الاستقرار مسار ممتد وأن الدولة مشروع حياة كامل.
د. نفيسة إبراهيم الأمير

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات