ليست كل أشكال العنصرية تُمارَس بالصوت العالي أو عبر خطاب الكراهية المباشر، فبعضها يتحرك بهدوء داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، حتى يصبح جزءاً من الواقع اليومي دون أن يلفت الانتباه.
وهنا تظهر خطورة ما يُعرف بـ”العنصرية الناعمة”، تلك التي لا تقول للإنسان إنه مرفوض، لكنها تحرمه عملياً من الفرصة، وتدفعه إلى الهامش دون قرار معلن أو نص مكتوب.
في السودان، ظل هذا النوع من التمييز حاضراً في مساحات متعددة؛ في الوظائف، والترقيات، والقبول، والخدمات، وحتى في صناعة الصورة الذهنية داخل المجتمع.
ولأنها عنصرية صامتة، فقد استطاعت أن تتخفى طويلاً خلف الأعراف والتبريرات الإدارية والاجتماعية.
لكن الحقيقة التي يجب الاعتراف بها اليوم، هي أن مواجهة العنصرية الناعمة لا تتم بالشعارات الأخلاقية وحدها، وإنما عبر تشريعات واضحة تجعل التمييز فعلاً مُجرَّماً، حتى وإن جرى بصورة غير مباشرة.
● أولاً: تعريف التمييز غير المباشر داخل القانون:-
أولى مشكلات مكافحة العنصرية الناعمة، أن كثيراً من القوانين لا تعترف أصلاً بوجود “التمييز غير المباشر”. ولهذا يصبح من الضروري أن يتضمن القانون السوداني تعريفاً واضحاً لهذه الممارسة، باعتبارها:
“أي إجراء أو قرار أو ممارسة تؤدي إلى إقصاء أو حرمان شخص أو مجموعة من حق أو فرصة بسبب العرق أو القبيلة أو الجهة أو اللون، حتى وإن لم يكن التمييز مُعلناً بصورة مباشرة.”
أهمية هذا التعريف أنه ينقل القضية من دائرة التقديرات العامة إلى دائرة المسؤولية القانونية الواضحة.
● ثانياً: تجريم التمييز داخل المؤسسات:-
العنصرية الناعمة في السودان لا تظهر غالباً في النصوص، بل في طريقة إدارة الفرص داخل المؤسسات. لذلك ينبغي أن ينص القانون صراحة على تجريم أي تمييز في:
- التوظيف
- الترقية
- القبول الأكاديمي
- التعيينات العامة
- التعاقدات الحكومية
سواء حدث ذلك بصورة مباشرة أو عبر معايير مصممة لإقصاء فئات بعينها. كما يجب أن يُمنح المتضرر حق الطعن القانوني والمطالبة بالتعويض وإلغاء القرار التمييزي.
● ثالثاً: تعديل قواعد الإثبات:-
من أخطر تعقيدات العنصرية الناعمة أن إثباتها ليس سهلاً، لأنها تُمارس غالباً دون أوامر مكتوبة أو تصريحات واضحة. ولهذا تحتاج القوانين الحديثة إلى مبدأ قانوني أكثر عدالة، يقوم على الآتي:
إذا قدم المتضرر قرائن معقولة على وجود تمييز، تصبح المؤسسة أو الجهة المعنية مطالبة بإثبات أن قرارها استند إلى معايير مهنية وليست تمييزية.
هذا المبدأ يحد من استخدام السلطة الإدارية كغطاء للممارسات العنصرية غير المعلنة.
● رابعاً: إنشاء مفوضية مستقلة لمكافحة التمييز:-
أي قانون بلا جهة رقابية مستقلة سيتحول إلى نص جامد. ولهذا يصبح من الضروري إنشاء مفوضية مستقلة تُعنى بـ: - استقبال الشكاوى
- التحقيق في الانتهاكات
- مراقبة المؤسسات العامة والخاصة
- إصدار تقارير دورية
- إحالة المخالفات إلى القضاء
على أن تتمتع هذه المفوضية بالاستقلال الكامل عن النفوذ السياسي والإداري.
● خامساً: حماية المبلِّغين والشهود:-
كثير من ضحايا التمييز يفضلون الصمت خوفاً من الانتقام الوظيفي أو الاجتماعي. ولهذا يجب أن ينص القانون على حماية:
١- المبلِّغين
٢- الشهود
٣-الموظفين الذين يكشفون ممارسات التمييز داخل المؤسسات.
٤- تجريم أي إجراء عقابي يُتخذ ضدهم بسبب الإبلاغ او الشهادة.
● سادساً: إنشاء نيابات ومحاكم مختصة:-
التمييز الصامت لا يمكن التعامل معه بإجراءات بطيئة أو عامة. ولذلك فإن إنشاء دوائر قضائية ونيابات متخصصة في جرائم التمييز يُعد خطوة ضرورية لضمان سرعة البت في القضايا وتحقيق العدالة بصورة فعالة.
● سابعاً: المسؤولية القانونية للمؤسسات:-
في كثير من الحالات لا تكون المشكلة مرتبطة بموظف واحد، بل بثقافة كاملة داخل المؤسسة.
ولهذا يجب أن يتيح القانون مساءلة المؤسسات نفسها عبر: - الغرامات
- إلغاء الامتيازات
- مراجعة السياسات الداخلية
- الحرمان من بعض العقود الحكومية
حتى تتحول مكافحة العنصرية إلى التزام مؤسسي حقيقي،لا مجرد مسؤولية فردية محدودة.
● خاتمة:
العنصرية الناعمة أخطر من التمييز الصريح، لأنها تتحرك في الظل وتُمارس تحت غطاء القانون أو العرف أو السلطة التقديرية.
ولهذا فإن بناء دولة عادلة في السودان لا يمر فقط عبر الدعوات الأخلاقية، بل عبر تأسيس منظومة قانونية تجعل أي شكل من أشكال التمييز مخاطرة قانونية مكلفة. فالدولة التي تفشل في حماية مواطنيها من الإقصاء الصامت، تفتح الطريق أمام الإحباط والانقسام وفقدان الثقة في العدالة نفسها.
،،،سروري مع خالص تحياتي ،،،
